إظهار الرسائل ذات التسميات التشريعات الالهية. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات التشريعات الالهية. إظهار كافة الرسائل
الأربعاء، 29 يوليو 2015
تتوقف حياة الفرد والجماعة في شتّى نواحيها – بما يعرض لها من سعادةٍ وعزّةٍ وعلمٍ واتّساع عمران – على المال؛ والذي يُعتبر قوام معاش النّاس، وضماناً لقضاء مصالحهم الخاصّة والعامّة .
دلالات العودة الراهنة للدين في الفلسفة الحديثة
هي نقطة تحولٍّ في الفلسفة الحديثة، تلك التي رفضت الدين في حقبة عصر الأنوار إلى حدود منتصف القرن العشرين، وخرّجت لنا فلاسفة ملحدين يزدرونه في كل وقتٍ، وينتقدونه في كلّ حينٍ، متأثرين بهيمنة النظرة التطوّرية الإلحادية، والتي تعتبر ما تجيء به الأديان مجرّد أسطورة جاد بها عقل الإنسان ! وأن الحياة ما هي إلاَّ أرحامٌ تدفع، وأرضٌ تَبلع !
فانهارت التطوّرية واكتشف العلم الحديث زَيفها، وانهارت الأنساق الفلسفية التي صاحبَتها، وأعلنَ الإنسان ثورته عَليها، فعادت البشرية إلى التديُّن من جديدـ وغاصت في أعماقه، وعضَّت عليه بالنواجد، فانقَلب حال الفلسفة، ووقفوا على هذا يتأمَّلون في هذا الواقع الجديد، وأقَرّوا باستحالة غياب الدين عن حياة البشريَّة، وحاولوا الإجابة عن سؤال جوهري يُطرح، وهو : ما دلالات هذه العودة الدينية ؟ وما هي أسبابها ؟
إن العودة الراهنة للدين، لا يمكن قراءتها إلاّ كردّ فعلٍ على الكارثة الحداثية، التي حاربت الجذور الأصلية للوجود الإنساني، وفي مقدمتها الأصل الديني .
فتركُ الدين معناه انتشارٌ للعَدمية في قمة توحُّشها، تنتج عنها قلقٌ من فقدان المعنى و "أفول المثل العُليا المقدَّسة" كما عبَّر عنها جاك دريدا Jaque derrida و جياني فاتيمو Gianni vattimo في كتابهما(1)، وكذا الانغماس في ثقافة الاستهلاك واللهو مما يخلّف إحساساً بالملل، ونوعٍ من العبثية في حياة الأشخاص.
" لقد أصبحنا عاجزين عن إعطاء معنىً للوجود، وهو المعنى الذي يتم البحث عنه في الدين، وكأن العودة ستوفر الأساس الصلب الذي بواسطته يتم تفسير التاريخ، واسترجاع الأصل الضائع المنسي الذي منه ينشأ كل شيء، وإليه يعود، وذلك بعد الفراغ الذي خلَّفه انهيار الحكايات الميتافيزيقية –المعتقدات التي ما وراء الطبيعة- الكبرى "(2).
فالعَدمية Le Nihilisme ، هي تعبير عن أزمة المعنى وفقدانه لدى الغرب، إذ أن الإنسان فطريّاً يميل إلى ترميز الأشياء المحيطة به، فالطاولة مصنوعة لوضع الطعام، والسيارة لتسهيل التنقُّل، والزواج لإنشاء العائلة، فكيف لا توجد غاية من الحياة ؟ وكيف أن الكون جاء بدون صانع ؟؟
إن عصر التنوير والحداثة الغربية، سعى بكل ما لديه من قوةٍ إلى طرد " الجليل الديني" Le sublime Religieux ، ونزع القداسة عنه، ليس من الوجود الغربي فحسب، بل من كلِّ الكرة الأرضية، وليس عن الدِّين المسيحي فحسب، بل عن كل دين على سطح البسيطة. فسعى لاستبداله بشكلٍ لا يخلو من عنفٍ رمزيٍّ تارةً، وماديٍّ تارةً أخرى، بـ " ميتافيزيقا التقنية " حسبَ مفهوم الفيلسوف مارتن هايدغر Martin Heidegger، وحاصلها: إعادة صياغةٍ لمعنى العالَم، والكون، والغاية من الحياة، بشكلٍ لا يراعي النفس الإنسانية، ولا غرائزها التديُّنية.
وقد حَسِبت الحداثة بغطرَستها وتكَبُّرها، أنها قَضت على الغريزة التديُّنية، والفطرة الإيمانية، ولم تَعلم المِسكينة أن هذه الغريزة قد تضعُف وتَذبلُ، لكنَها لا تموت، تُخبرنا موسوعة لاروس الفرنسية Encyclopédie Larousse عنها وتقول : " إنَّ الغريزة الدينية مشتركةٌ بين كلّ الأجناس البشرية، حتى أشدِّها همجيةً، وأقربها إلى الحياة الحيوانية .. وإن الاهتمام بالمعنى الإلهي، وبما فوق الطبيعة، هو إحدى النَّزعات العالَمية الخالدة، وهذه الغريزة الدينية لا تختفي، بل لا تضعف ولا تذبُل إلا في فترات الإسراف في الحضارة، وعندَ عددٍ قليلٍ جدّاً من الأفراد"(3).
ويُقررها الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون Henri Bergson : " لقد وُجدت وتوجد جماعاتٌ إنسانية بدون علومٍ، وفنونٍ، وفلسفاتٍ، ولكنَّه لم توجد قطّ جماعةٌ بغير ديانةٍ "(4).
أما من جهةٍ أخرى، فانتشار المخاوف القِياميّة(5) ، والكوارث المُهلكة، كان له أثرٌ كبير في رجوع الناس إلى الدين، مخاوفُ تجعلُ الإنسان يستحضر فكرة الموت، وتُسببها كثيرٌ من الأشياء منها : اندلاع حربٍ نوورية، وخطر التلوث على موت الطبيعة، والاحتباس الحراري، والتلاعب بالشفرات الوراثية، توسبّب عدد من الأجهزة الحديثة والأطعمة المعلبة في الإصابة بالسرطان، والكوارث الطبيعية ( فيضانات، موجات التسونامي، الزلازل، الأعاصير، وغيرها)، والبشرية بطبيعتها رُزقت حبَّ البقاء، فتبحث عن وعود الدين في حياةٍ خالدة أُخرى.
إنّ الإنسان – حسب الفلسفة الحديثة- هو ذلك الكائن الذي يحدوه نزوعٌ نحو المقدَّس، وتتشوَّف نفسه إلى الإله الخالق، ولا يهنأ باله إلا بالإجابة عن تلك الأسئلة الوجودية " هذا اللغز الذي يستحث عقولنا : ما العالم ؟ ما الإنسان ؟ من أين جاءا ؟ من صنعهما ؟ من يدبرهما ؟ ما هدفهما ؟ كيف بدءا ؟ كيف ينتهيان ؟ ما الحياة ؟ ما الموت ؟ ما القانون الذي يجب أن يقود عقولنا في أثناء عبورنا في هذه الدنيا ؟ أي مستقبلٍ ينتظرنا بعد هذه الحياة ؟ هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة ؟ وما علاقتنا بهذا الخلود .. ؟ هذه الأسئلة لا توجد أمةٌ، ولا شعبٌ، ولا مجتمعٌ، إلا وضع لها حلولاً جيدةً أو رديئةً، مقبولةً أو سخيفةً، ثابتةً أو متحولةً "(6).
فالنُّزوع الديني لن يكون مرحلةً عابرةً من التاريخ الإنساني، ولا فترةّ منقضيةً في مسيرة الإنسان الكونية، بل هو سمةٌ متأصّلة في فكر وتجربة البشرية، في عصرٍ يفرض الإسلام فيه نفسه على كل عاقلٍ سوي، بحججه المنطقية، ومزاياه الرقراقة، مما يؤهّله لأن يكون دين البشرية الخاتم بامتياز .
هوامش المقال
1-الدين في عالمنا، ص : 42.
2-جون فرانسوا ليوتار: شرط ما بعد الحداثة – فرنسي- ص : 64.
3-ص 112 .
4-كتاب : أصلاَ الأخلاق والدين – فرنسي – ص : 7 .
5-المخاوف القيامية نقصد بها الخوف من اليوم الآخر، ونحيل القارئ إلى مقالة : الخوف من الموت، للكاتب جاري مور Gary Moore على الشبكة العنكبوتية، وكذا روبورتاجات قناة سي إن إن CNN، بخصوص نهاية العالم سنة 2012، وتهديد كوريا الشمالية بالحرب النووية، و المخاوف المرتبطة بنشوب حرب نووية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية في كتاب " الحرب الباردة " لجاستين فوري Justine Faure، وأيضا روبورتاج "الاحتباس الحراري " الذي بثته قناة Ushuaïa TV الفرنسية.
6-بارتلمي سانت هيلير BARTHELEMY SAINT-HILAIRE مقالة " الميتافيزيقا " منشور في المجلة الفلسفية الفرنسية بتاريخ فبراير 1880 م.
الخالق والفطرة ..تعليق على أبحاث علمية أكاديمية تثبت فطرية الإيمان!
هي نقطة تحولٍّ في الفلسفة الحديثة، تلك التي رفضت الدين في حقبة عصر الأنوار إلى حدود منتصف القرن العشرين، وخرّجت لنا فلاسفة ملحدين يزدرونه في كل وقتٍ، وينتقدونه في كلّ حينٍ، متأثرين بهيمنة النظرة التطوّرية الإلحادية، والتي تعتبر ما تجيء به الأديان مجرّد أسطورة جاد بها عقل الإنسان ! وأن الحياة ما هي إلاَّ أرحامٌ تدفع، وأرضٌ تَبلع !
فانهارت التطوّرية واكتشف العلم الحديث زَيفها، وانهارت الأنساق الفلسفية التي صاحبَتها، وأعلنَ الإنسان ثورته عَليها، فعادت البشرية إلى التديُّن من جديدـ وغاصت في أعماقه، وعضَّت عليه بالنواجد، فانقَلب حال الفلسفة، ووقفوا على هذا يتأمَّلون في هذا الواقع الجديد، وأقَرّوا باستحالة غياب الدين عن حياة البشريَّة، وحاولوا الإجابة عن سؤال جوهري يُطرح، وهو : ما دلالات هذه العودة الدينية ؟ وما هي أسبابها ؟
إن العودة الراهنة للدين، لا يمكن قراءتها إلاّ كردّ فعلٍ على الكارثة الحداثية، التي حاربت الجذور الأصلية للوجود الإنساني، وفي مقدمتها الأصل الديني .
فتركُ الدين معناه انتشارٌ للعَدمية في قمة توحُّشها، تنتج عنها قلقٌ من فقدان المعنى و "أفول المثل العُليا المقدَّسة" كما عبَّر عنها جاك دريدا Jaque derrida و جياني فاتيمو Gianni vattimo في كتابهما(1)، وكذا الانغماس في ثقافة الاستهلاك واللهو مما يخلّف إحساساً بالملل، ونوعٍ من العبثية في حياة الأشخاص.
" لقد أصبحنا عاجزين عن إعطاء معنىً للوجود، وهو المعنى الذي يتم البحث عنه في الدين، وكأن العودة ستوفر الأساس الصلب الذي بواسطته يتم تفسير التاريخ، واسترجاع الأصل الضائع المنسي الذي منه ينشأ كل شيء، وإليه يعود، وذلك بعد الفراغ الذي خلَّفه انهيار الحكايات الميتافيزيقية –المعتقدات التي ما وراء الطبيعة- الكبرى "(2).
فالعَدمية Le Nihilisme ، هي تعبير عن أزمة المعنى وفقدانه لدى الغرب، إذ أن الإنسان فطريّاً يميل إلى ترميز الأشياء المحيطة به، فالطاولة مصنوعة لوضع الطعام، والسيارة لتسهيل التنقُّل، والزواج لإنشاء العائلة، فكيف لا توجد غاية من الحياة ؟ وكيف أن الكون جاء بدون صانع ؟؟
إن عصر التنوير والحداثة الغربية، سعى بكل ما لديه من قوةٍ إلى طرد " الجليل الديني" Le sublime Religieux ، ونزع القداسة عنه، ليس من الوجود الغربي فحسب، بل من كلِّ الكرة الأرضية، وليس عن الدِّين المسيحي فحسب، بل عن كل دين على سطح البسيطة. فسعى لاستبداله بشكلٍ لا يخلو من عنفٍ رمزيٍّ تارةً، وماديٍّ تارةً أخرى، بـ " ميتافيزيقا التقنية " حسبَ مفهوم الفيلسوف مارتن هايدغر Martin Heidegger، وحاصلها: إعادة صياغةٍ لمعنى العالَم، والكون، والغاية من الحياة، بشكلٍ لا يراعي النفس الإنسانية، ولا غرائزها التديُّنية.
وقد حَسِبت الحداثة بغطرَستها وتكَبُّرها، أنها قَضت على الغريزة التديُّنية، والفطرة الإيمانية، ولم تَعلم المِسكينة أن هذه الغريزة قد تضعُف وتَذبلُ، لكنَها لا تموت، تُخبرنا موسوعة لاروس الفرنسية Encyclopédie Larousse عنها وتقول : " إنَّ الغريزة الدينية مشتركةٌ بين كلّ الأجناس البشرية، حتى أشدِّها همجيةً، وأقربها إلى الحياة الحيوانية .. وإن الاهتمام بالمعنى الإلهي، وبما فوق الطبيعة، هو إحدى النَّزعات العالَمية الخالدة، وهذه الغريزة الدينية لا تختفي، بل لا تضعف ولا تذبُل إلا في فترات الإسراف في الحضارة، وعندَ عددٍ قليلٍ جدّاً من الأفراد"(3).
ويُقررها الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون Henri Bergson : " لقد وُجدت وتوجد جماعاتٌ إنسانية بدون علومٍ، وفنونٍ، وفلسفاتٍ، ولكنَّه لم توجد قطّ جماعةٌ بغير ديانةٍ "(4).
أما من جهةٍ أخرى، فانتشار المخاوف القِياميّة(5) ، والكوارث المُهلكة، كان له أثرٌ كبير في رجوع الناس إلى الدين، مخاوفُ تجعلُ الإنسان يستحضر فكرة الموت، وتُسببها كثيرٌ من الأشياء منها : اندلاع حربٍ نوورية، وخطر التلوث على موت الطبيعة، والاحتباس الحراري، والتلاعب بالشفرات الوراثية، توسبّب عدد من الأجهزة الحديثة والأطعمة المعلبة في الإصابة بالسرطان، والكوارث الطبيعية ( فيضانات، موجات التسونامي، الزلازل، الأعاصير، وغيرها)، والبشرية بطبيعتها رُزقت حبَّ البقاء، فتبحث عن وعود الدين في حياةٍ خالدة أُخرى.
إنّ الإنسان – حسب الفلسفة الحديثة- هو ذلك الكائن الذي يحدوه نزوعٌ نحو المقدَّس، وتتشوَّف نفسه إلى الإله الخالق، ولا يهنأ باله إلا بالإجابة عن تلك الأسئلة الوجودية " هذا اللغز الذي يستحث عقولنا : ما العالم ؟ ما الإنسان ؟ من أين جاءا ؟ من صنعهما ؟ من يدبرهما ؟ ما هدفهما ؟ كيف بدءا ؟ كيف ينتهيان ؟ ما الحياة ؟ ما الموت ؟ ما القانون الذي يجب أن يقود عقولنا في أثناء عبورنا في هذه الدنيا ؟ أي مستقبلٍ ينتظرنا بعد هذه الحياة ؟ هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة ؟ وما علاقتنا بهذا الخلود .. ؟ هذه الأسئلة لا توجد أمةٌ، ولا شعبٌ، ولا مجتمعٌ، إلا وضع لها حلولاً جيدةً أو رديئةً، مقبولةً أو سخيفةً، ثابتةً أو متحولةً "(6).
فالنُّزوع الديني لن يكون مرحلةً عابرةً من التاريخ الإنساني، ولا فترةّ منقضيةً في مسيرة الإنسان الكونية، بل هو سمةٌ متأصّلة في فكر وتجربة البشرية، في عصرٍ يفرض الإسلام فيه نفسه على كل عاقلٍ سوي، بحججه المنطقية، ومزاياه الرقراقة، مما يؤهّله لأن يكون دين البشرية الخاتم بامتياز .
هوامش المقال
1-الدين في عالمنا، ص : 42.
2-جون فرانسوا ليوتار: شرط ما بعد الحداثة – فرنسي- ص : 64.
3-ص 112 .
4-كتاب : أصلاَ الأخلاق والدين – فرنسي – ص : 7 .
5-المخاوف القيامية نقصد بها الخوف من اليوم الآخر، ونحيل القارئ إلى مقالة : الخوف من الموت، للكاتب جاري مور Gary Moore على الشبكة العنكبوتية، وكذا روبورتاجات قناة سي إن إن CNN، بخصوص نهاية العالم سنة 2012، وتهديد كوريا الشمالية بالحرب النووية، و المخاوف المرتبطة بنشوب حرب نووية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية في كتاب " الحرب الباردة " لجاستين فوري Justine Faure، وأيضا روبورتاج "الاحتباس الحراري " الذي بثته قناة Ushuaïa TV الفرنسية.
6-بارتلمي سانت هيلير BARTHELEMY SAINT-HILAIRE مقالة " الميتافيزيقا " منشور في المجلة الفلسفية الفرنسية بتاريخ فبراير 1880 م.
منزلة العقل في الإسلام(1)
قليلةٌ هي الدّيانات التي تنبني على العقل، وكثيرةٌ تلك التي تجعل التعطيل سِمته، وتسجنه في غياهب الترك والإهمال. حتى كان ذلك سمةً بارزةً للأديان الوثنية، بعكس الإسلام الذي مدح العقل ومجّده، وجعل له آلياتٍ، ووضع له غاياتٍ، ورسم له حدوداً.
والعقلُ لغةً: أصل مادّته من الحبس والمنع والإمساك، وسمّي كذلك لأنه يحجز صاحبه ويمنعه عن الوقوع في الهَلكة .. وينهى صاحبه عن فعل ما لا يُحمد . (1)
أما اصطلاحاً: فالعقل عقلان: الأول غريزي طبعي، هو أبو العلم ومربّيه ومثمره، وعقلٌ كسبيٌّ مستفاد، وهو ولد العلم وثمرته ونتيجته. (2).
ولهذا تعدّدت تصاريف العقل في القرآن، فمرّةً ينادي النّاس إلى إعمال ما جُبلت عليه فِطرهم وعقولهم، ومرّةً ينادي أهل العلم إلى استخدام العقل الكسبيِّ الذي يصقله العلمُ والمنطق.
العقل في القرآن :
إن القارئ للقرآن الكريم، ليُلاحظ تصاريف لفظ العقل في كثيرٍ من الآيات، نحو " يعقلون " و " تعقلون " و " ما يعقلها إلا العالمون " و " الألباب " وغيرها.
فجاءت آياتٌ بيّناتٌ تبرز دول العقل في فهم الكلام، منها: {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} (يوسف: 2)، وقوله تعالى: {أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} (البقرة: 75).
وآياتٌ أخرى تبرز أنه يُسهم في فهم آيات الكون؛ ومنه قوله عز وجل: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} (النحل: 12).
ونصوصٌ أخرى من الوحي تبرز أن له وظيفة اختيار النافع وترك الضّار، منها قوله: {وما الحياة الدنيا إلا لعبٌ ولهو وللدّار الآخرة خيرٌ للذين يتّقون أفلا تعقلون} (الأنعام: 32)، وغيرها من الآيات البيّنات التي تبرزه وتستفزّه، وتنادي باستخدامه، وتُبْرِز وظائفه.
والذي عليه أهل السنّة أن العقل عرَضٌ وصفةٌ ليست قائمةً بذاتها، بل هي قائمةٌ بغيرها، ولا يسمّى العاقل عاقلاً إلا إذا كان متصفاً به . (3)
ومن تأمّل في الوحي باحثاً عن مراتب الدليل العقليّ، يستشفُّ أن هناك احتفاءً شرعيّاً به لكن مع ضوابط لمجالات استخدامه، فلا يكون غلوّاً حتى يكون مهيمناً على الكلّ، ولا تعطيلاً لتُلغى حجيّته ودلالته في جانب الاستدلال .
فمن جهةٍ أولى: فمجالات تمجيد الشريعة للعقل وضرورة استخدامه للتوصل إلى الحق متعدّدةٌ، منها:
-أن العقل هو مناط التّكليف، وغيابه أو نقصَه مُسْقِطٌ له، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:(رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتلم، وعن المجنون حتّى يعقل) رواه النسائي وابن ماجة .
-أن الرحمن سبحانه وتعالى نادى النّاس إلى استخدام عقولهم للتوصّل إلى الحق، عن طريق التدبّر والتفكّر، واستخدم عباراتٍ منها: {لعلّكم تعقلون}، {لقوم يفقهون}، {لقوم يتفكّرون}، ومنها قوله عز وجل: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} (آل عمران: 190 - 191).
وكل ذلك يشير إلى ضرورة العمل العقليّ ودوره في الإرشاد إلى الهداية، فالعقل يتأمل الكون فيرشده إلى وجود خالقٍ له، ويستخدم المنطق فيُدرك أن لكل شيءٍ غايةً، ويستنبط منه بعض صفات الله عز وجلّ، ويتأمّل فيه فيرى أنه من العبث خلق الخلق وتركهم هملاً دون رسالة، ويقرأ الوحي فيهتدي إلى الرسالة.
-أن الله تعالى ذمَّ من عطّل عقله، ولم يسترشد به، وكان إمّعةً يُساق في عالم الفكر والعقيدة، مقلّداً غيره تقليداً أعمى، فقال عز وجل: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أوَ لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون * ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صمّ بُكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون} (البقرة: 170-171).
-أن من العقل الانتفاع بالمواعظ والقصص والأمثال القرآنية، منها قوله: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} (يوسف: 111)، ويقول: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} (العنكبوت: 43).
-أن للعقل وظيفةً مهمّةً في استنباط الأحكام، والنظر إلى الأدلة، ونقد متون الحديث، وكلّما كان العقل المسدَّدُ بنور الوحي أوفر وأكبر؛ كان المرء أقدر على الاجتهاد والإصابة، والاستنباط.
فالإسلام كرّم العقل وحماه، فحرّم كل ما من شأنه تعطيله وتغييبه، كالمسكرات والمخدّرات، وفي الفقه من اعتدى على أحدٍ ولو نفسيّاً حتى ذهب عقله، وجبت عليه الدّية .
ومن جهةٍ ثانيةٍ: فقد جعل الإسلام للعقل حدوداً، فهو مهما بلغ من الفهم والقدرة يظلُّ عاجزا في ميادين كثيرةٍ؛ لأنه خلق لأشياء معيَّنةٍ ومحدّدةٍ إن خرج عنها، جعل صاحبه يتيه في الظلمات، ويغرق في الالتباس والتخبّط؛ وما أجمل قول الإمام الشاطبي: " إن الله جعل للعقول في إدراكها حدّاً تنتهي إليه لا تتعدّاه، ولم يجعل لها سبيلاً إلى الإدراك في كلّ مطلوبٍ، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون. "(4)
فالعقل محدودٌ في مداركه لا يعدوها، وينحصر في معطيات ما تمدّه به الحواسّ فلا يتجاوزها، فإن علم أن للكون خالقا عن طريق المحسوس لم يستطع أن يكتشف ماهية الخالق، وكيف هو، وماهية الأرواح وكيف هي، والجنّة والنّار، وغيرها من الغيبيّات.
فإن تفهّمتَ محدودية العقل في هذا الباب أيها الفطن، فهمتَ الإسلام، وسَهُلَ عليك الخروج من مستنقعات الشّبهات، ووساوس الشيطان.
يقول الإمام ابن تيميّة: " فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر، وما أمرت به من تفاصيل الشرائع، لا يعلمه الناس بعقولهم، كما أن ما أخبرت به الرسل من تفاصيل أسماء الله وصفاته، لا يعلمه النّاس بعقولهم، وإن كانوا يعلمون بعقولهم جُمل ذلك " (5)
وينبغي التنبّه إلى مسلكٍ دقيقٍ، يخفى على كثيرٍ من الباحثين، وهو أن إدارك العقل لكثيرٍ من القضايا هو إدراكٌ مجملٌ وليس مفصّلاً، أو يكون بعضيّاً لا شموليّاً.
العقل المجرّدُ جالبٌ للفرقة والاختلاف نظراً لتفاوته عند النّاسفقد أسلفناَ بأنَّ العقل صفةٌ مكتسبةٌ، واحدٌ في ماهيّته بين البشر، لكن متفاوتٌ في حجم إدراكاته بينهم، فقد يُدرك المثقّف بعقله ما لا يستطيع العاميّ استيعابه وإدراكه، وقد يستوعب العالِم ما لا يستطيع المثقّف الإحاطة به، ومن هنا جاء اختلاف الفلاسفة الشديد في كثيرٍ من القضايا، حتى قيل لم يتّفقوا إلا على أنّهم لن يتّفقوا .
وذا سيكون الأساس في الإجابة عن سؤالٍ لا زال يُثار إلى يومنا هذا: هل نقدّم العقل أم النّقل ؟ وهل هناك تعارضٌ بينها ؟وجوابه في الجزء الثاني من المقال .
هوامش المقال1- راجع لسان العرب الجزء 11 ص: 457، ومعجم مقاييس اللغة، الجزء 4 ص :69.
2- مفتاح دار السعادة لابن القيم، الجزء 1 ص: 118.
3- بغية المرتاد لابن تيمية، ص :251.
4- الاعتصام، الجزء الثاني، ص: 318.
5- الرسالة التدمريّة، ص :77.
العقل وعلم الغيب
يقول الله عز وجل متمدِّحا أهل الإيمان: {الذين يؤمنون بالغيب} (البقرة:3).
تأمل معي هذه المعادلة من قبيل ما درجنا على تعلمه في الصغر في كتب الرياضيات المدرسية :1 + س =3، وكانوا يضعون مكان (س)، مربعًا فارغًا.
فيكون تقدير السؤال عندئذ: ما العدد المجهول الذي ينبغي ملء المربع به لتكون المعادلة صحيحة بأن يكون طرفاها متساويين ؟
والآن انظر بعينك في أجزاء هذه المعادلة ..ماذا ترى بحاسّة الإدراك البصرية ؟
إنك ترى الرموز الآتية: 1، +، س أو المربع الفارغ، =، 3 ...أليس كذلك ؟ إذن دعنا نقرر هذه الحقيقة جانبًا ونقول : الذي أدركته حاسة البصر هو هذه الرموز المذكورة آنفًا..ولنتجاوز ذلك إلى ما بعده ..ونتساءل : إذا كانت العين ترى المربع فارغًا لا شيء فيه، فما قيمة ما فيه حتى تصحّ المعادلة ؟ سلْ هذا أيَّ طفل في مبادئ التعلم وسوف يقول :قيمة المجهول =2، فيبقى السؤال الجوهري : كيف عرف الجواب وهو لا يبصره بعيني رأسه ؟!
إن الله جل ثناؤه في سياق الامتنان عليك أيها الإنسان بيّن منافذ المعرفة وطريق الاهتداء إلى معالجة المُدخلات إلى هذه المنافذ، فقال:{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } (النحل : 78 )، والذين ينكرون الغيب مطلقًا يُقال لهم :إن كان المراد بالغيب ما غاب عن الحواس، فإنكار الغيب =إنكارَ العقل، سواء بسواء ! وقد رأيت في مثال المعادلة أن إعمال الفكر هو الذي دلّ على قيمة المجهول في المربع، وهو شيء وراء المـُدركات الحسيّة.
وإن كان مرادهم: الغيب الذي يأتي به الدين خاصّة–أيًّا كان هذا الدين- فيقال هذا تحكّم يعبر عن موقف دوغمائي Dogmatic 1 تعسّفي لا مستند له من العقل إذا كنتم تدّعون الانتساب إلى هذا العقل.
لأن المعوّل في ذلك ليس هو كون الشيء دينيًا أو غير ديني، ولكن دلالة الحجة البرهانية التي دلّ عليها العقل، فحيث دلّ الدليل المعتبر على صحة ما وراء الحواس كان المصير إليه لازمًا في حكم العقل، وكان جحوده كفرًا بالعقل نفسه ، الذي يدعي الانتساب إليه ..
-فإن قيل: نحن نؤمن بما تدل عليه التجربة المخبريّة، ولسنا مضطرين لما وراء ذلك كما يقوله الماديون، قيل لهم : هذا كما لو قيل : العين حدّها أن تنظر إلى زاوية من الأفق لا تجاوزه إلى غيره، مع كون الأفق الرحيب داخلًا في مجالها البصري ..فهو من التقييد المبني على مجرد التحكّم والهوى دون أي دليل، وذلك أن ما دل عليه العقل لا يقتصر على ما كان نتاج تجربةٍ في المعامل، وإنما الاستدلال العقلي يستند إلى وجود خصيصةٍ تلازميّةٍ بين قضايا معلومة وأخرى مجهولة؛ ولهذا جاء الإسلام بقضية الإيمان بالغيب مسلّمةً من كل عيب يمكن أن يوجد في مصادر التلقي التي لا تعتمد على برهان صحيح ،وإنما على مجرد الظن والخرص والأوهام: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى}(النجم : 23) فحارب لأجل ذلك الكهانة والخرافة والشعبذة، وأنكر الاعتماد على الإلهام أو الخطرات في باب اليقينيات.
-فإن جاء مسفسط وأراد إبطال المستند العقلي فقال مثلًا: ليس العقلُ دليلًا كافيًا للمعرفة أو اليقين، فيقال له: قد قوّضت كل قائم في بنيان العقل بنفسك، ونقضت الدعوى من أساسها؛ لأن هذا الحكم الذي زعمت: (ليس العقلُ دليلًا كافيًا للمعرفة مطلقًا ) =هو نفسه حكمٌ عقليّ، فلو أعملناه على مقولتك انتقضت وامتنع عليك أن تحكم على شيء بأي شيء !
ويمكن إدراك علاقة العقل بالغيب في الإسلام بتقسيم طرق تحصيل المعرفة إلى ثلاثة أقسام:
-ما يعرف بالنظر والاستدلال ..
-ما يكون مركوزًا ضرورة ً في العقل ولا يحتاج إلى استدلال لكونه من الحقائق الضرورية المغروسة في العقل من قِبل الخالق جل جلاله، وذلك كإدراك العقل أن عين الإنسان لا تكون أكبر من الإنسان بما فيها من عين ..
-وما يتلقى بالأخبار فمتعلّقه السمع، فهذا القسم إذا أمكن إقامة الدليل على صدق المخبِر فقد صار الخبر علمًا مثبتًا، سواء كان الخبر من عالمَ الشهادة أو من عالم الغيب .
ولما كان العقل لا يستقل بتحصيل المعارف على وجه التفصيل بل يدرك جملةً من الحقائق على وجه مجمل، كانت وظيفة الرسل هداية الإنسانية في أمرين :
أحدهما –تحصيل اليقين في باب الغيبيات، ودلالة العقل عليها من ثلاثة وجوه :
1-أنه اهتدى عن طريق دلائل النبوة، إلى تحقّق معنى النبوة في شخص هذا الإنسان–صلى الله عليه وسلم- ،فهو نبيّ ورسول من الله العليّ، فكان مقتضى ذلك عقلًا تصديقه في جميع أخبر، وإلا وقع التناقض العقلي .
2-وأن العقل دلّ في حالة الإسلام دون غيره، إما بمطابقة صريح المعقولات لصحيح المنقولات،فما يدل عليه الشرع يكون مدلولًا عليه بالعقل ، وفي كتاب الله الكثير من الدلائل العقلية ، والحجج البرهانية
وإما بالموافقة: بألا تأتي الشريعة بما يحكم العقل بامتناعه ولا بما فيه تناقض {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا } (النساء : 82) ،
والثاني-تمثيل الهداية في التشريعات، وكما أن الله مختصٌّ بعلم الغيب: (الغيب المطلق) فهو وحده المختص كذلك بوضع التشريع المناسب لطبيعة ما خلق بحسب ظروفه وأحواله ، في كل زمان ومكان، مع تنزّهه سبحانه عن النقص، فكان وحيه كذلك منزهًا عن النقص.
-وإذا عرفت أن الإنسان ليس آلة صمّاء قوامها التعامل مع المحسوس المحض، بل هو مركّب من عقل وروح وجسد، والروح مع تسليم العقلاء بحقيقتها فهي إلى عالم المجهول أقرب، وإلى عالم الغيب أنسب.. والعقل إنما وظيفته اكتشاف ما وراء المعلوم المحسوس لاستنباط معانٍ خلف ما تدركه أدوات الحس المباشر، ثم تأملت في تطلع هذا الإنسان إلى استشراف ما يختبئ وراء العالم المشهود وتشوفه الملحّ إلى معرفة المجهول.. ومن ذلك :ما يكون في المستقبل - فإنك ستبصر في وجدانك حاسّة خاصّة تحاول التحديق دومًا إلى ما وراء الغيب، فلا ترتوي النفس في تطلعها إلا برسالةٍ سماوية تنبيها عن حقيقة الأمر، وتلبي فيها الحاجة الفطرية لذلك، وليست تثبت هذه الرسالة بالدعوى الخبرية المجردة، كأن يقول فلان: أنا نبي ، وكفى !، ولهذا جاء الإسلام دون غيره يعلن للإنسانية أنه دين مؤسس على أدلة يقينية تشفي غليل الباحث وتكفي العليل الحيران {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }(البقرة : 111)
وهذا سيد قطب-رحمه الله- في التفاتةٍ منه رائقة، ينبّه إلى أن "الإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيّز المحدود، الذي تدركه الحواس أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس، وهي نقلة بعيدة الأثر في تصوّر الإنسان لحقيقة الوجود كله، ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون ما وراء من قوة وتدبير. كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيّز الصغير الذي تدركه حواسه، كمن يعش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته" 2
وفي كتابه: (خصائص التصوّر الإسلامي) يلحظ عمقًا معرفيا ًفي قضية الغيب من زاوية أخرى فيقول: " إن العقيدة التي لا غيب فيها ولا مجهول، ولا حقيقة أكبر من الإدراك البشري المحدود، ليست عقيدة، ولا تجد فيها النفس ما يلبي فطرتها، وأشواقها الخفية إلى المجهول، المستتر وراء الحجب المسدلة .. كما أن العقيدة التي لا شيء فيها إلا المعمّيات ليست عقيدة"3.
إن أدعياء العقل أو العلم حين قصروا العلم على المحسوسات فإنما أرادوا أن يتنصّلوا من حقيقة معنى الإنسان في فضائه الرحب الذي ذرأه الله عليه، من آفاقٍ ينظر بعينٍ فيها إلى المشهود، وبعينٍ أخرى إلى المجهول، مع أن هذا العالم هو في نفسه بكل مكوّناته بما فيها هذا الإنسان نفسه يأتلف من مواد غيبيّة، وأخرى مشهودة، فلا بد له من مرشدٍ يلبّي تطلّعه الفطري على وجه يقيني يروي النفس بالطمأنينة، ويُشربها معنى السكينة الحقّة، والمستندة إلى علم لا إلى وهم، فلهذا لم يكِلْه الله إلى نفسه حتى في عالم الشهادة الذي يظنّه مكشوفاً له من كل وجه وهو يجهل إلى حد كبير حقيقة نفسه الإنسانية بين جنبيه !، بل أرشده إلى نظام شامل كامل من التشريعات، لما تقدم من اختراق علم الله لحجب الزمان والمكان، وإحاطة علمه بطبيعة هذا الإنسان ونوازع النفس ومكامن الهوى فيه.
فأرسل إليه الرسل يرشدونه وفق قانون الابتلاء العام الذي أراده على وفق حكمته، وحمّل الرسل براهين صحة نبوتهم، وموثوقية رسالتهم: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } (النساء : 165) وإذا كان الوحي في نفسه حقيقة غيبية، فهذا لا يعني أن النبي الحق أو الرسول الحق غير مطالبٍ بإقامة الدليل على صحة ما جاء به؛ إذْ لو كانت الحقائق هي ما كان مدركاً بالحواس وحدها، لكان هذا إبطالا لوظيفة العقل الذي أناط الله امتحان التكليف به، وإذا كان لازماً في صدق النبي أن يُحس الناس بنفس ما يُحس به النبي حال الوحي، لكان المعنى أن يكون كل الناس أنبياء، فبطل معنى الاتباع والابتلاء ..لعلك أبصرت الآن أن مدح الله لعباده المؤمنين بقوله {الذين يؤمنون بالغيب} (البقرة : 3) هو بمنزلة ما لو قال "الذين يحسنون استعمال عقولهم " ! فالإنسان والجان مخلوقان مركبان من مكوّني الغيب والشهادة، المعلوم والمجهول، فلم يمكن معرفة حقيقة النفس الإنسانية ما لها وما عليها وطبيعة خصائصها وما ينتظرها، إلا عن طريق مصدر معصوم، وهو الوحي الذي قام صدقُه على شهادة البراهين الحقّة، ويدلك على هذا المكوّن الغيبي الفطري ما عليه المنحرفون عن الوحي الإلهي، فلم يسلموا من الاعتماد على مناهلَ خرافية تتعلق بالغيب حتى أولئك الماديّون المنكرون لعالم الغيب، لابد لهم من سدِّ الحاجة الفطرية في ملء هذا الجانب الحيوي، فترى الداروينيين حين يتكلمون عن فرضيتّهم يضطرون إلى ذكر أمور متعلقة بالميتافيزيقا لا سبيل لهم بإثباتها إلا الخرص والترقيع والتزوير، وكذلك الملاحدة فإنهم إذا تحدثوا عن نشأة الكون جاءوا من ذلك بركام هائل من المادة الغيبية، ليسدوا بها فراغات ما يعتقدونه بمجرد الدعاوى المحضة، وقد قال الله يرد على أسلافهم وعلى أمثالهم: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا} (الكهف : 51).
وهذا التطلّع إلى إماطة أوشحة الغيب وكشف ما وراءها هو نفسه –لو تأملت – من الدلائل المشيرة بأصبع البصيرة إلى الله جل ثناؤه، لأن تشوّف النفس إلى الـ"مارواء" دالٌ على أن وراء إدراكها شيئًا ركز فيها هذا المعنى، وبعد أن عدد الفيلسوف كاريل جملة من التساؤلات الضالة عن جوابها، قال معبرًا عما يمكن تسميته متلازمة التعطّش المعرفي للمجهول : "وهناك أسئلة أخرى لا عداد لها يمكن أن تلقى في موضوعات تعتبر على غاية الأهميّة بالنسبة لنا، ولكنها ستبقى جميعاً بلا جواب..فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان مازال غير كافٍ، وأن معرفتنا بأنفسنا ما تزال بدائية، وعلى كل حال كان يبدو لأسلافنا أن لغز وجودنا، ومتاعبنا الأدبية، ولهفتنا على المجهول، وظاهرة علم ما وراء المادة، أكثر أهميةً من الآلام البدنيّة والأمراض، ومن ثم فقد اجتذبت دراسة الحياة الروحيّة والفلسفة أنظار رجالٍ عظماء أكثر مما اجتذبتهم دراسة الطب... فالعقل كما يقول برجسون بعجز طبيعي عن فهم الحياة 4 ".
إن الملحد حين يسخر كثيرًا بأهل الدين لقولهم بوجود الله عز وجل، ويكابر طويلًا في زعم أن العالم موجود بذاته أزلًا ، يمكن أن يقال له على سبيل التنزل الجدلي:
-العالمَ فيه أجزاء مغيبة عن الحس ولا تبلغها آلات المراقبة :مقطوع بوجودها ،
-فماذا يضيرك أن يكون الله مِن هذا الغيب ، الذي لا تدركه الأبصار في الدنيا ولا الآلات ؟
لو تأملت ..ستكتشف أن جوهر مشكلته يكمن في إثبات شيء له وعي وحكمة (ليتخلص من تبعة المسؤولية ويكون عبدا للهوى) ..ولهذا تراه لا ضير عنده لو افترضت ملايين العوالم إذا كانت بلا وعي ولا إدراك ..
الملحد إذن :كائن يرفع شعار العقل ، وهو عدوٌّ لأصل ما زكا به العقل وكانت له به مصداقية، فليس للعقل قيمة يمكن عقلها ، إذا كان هو نفسه ابنَ العشواء
هوامش المقال
1- الدوغمائية :التعصب لفكرة والجمود عليها دون قبول نقاشها كأنها معصومة ولولم يكون عليها أي دليل .
2- (في ظلال القرآن 1 / 39) سيد قطب , ط: دار الشروق 1423 هـ - 2003 م
3- (خصائص التصور الإسلامي) سيد قطب ص 112,
4- الإنسان ذلك المجهول ، ألكسيس كاريل ، ص14 ، 16.
المخزون السياسي في الشريعة (1)
من المبادئ المستقرة لدى كل المسلمين : أن الله تعالى أكمل لهم الدين وأتم عليهم النعمة , بحيث أنه لم يبق شيء يحتاجه المسلمون في الجانب التشريعي إلا وقد بُين لهم على أكمل وجه .
فالشريعة الإسلامية كاملة في جميع جوانبها وتامة في سائر أنظمتها , فالكمال ضارب فيما يتعلق بالعبادات من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها , ومتحقق فيما يتعلق بالمعاملات من البيع والشراء وأنواع العقود , وحاصل فيما يتعلق بالأنكحة والمواريث وسائر المعاملات الاجتماعية .
والمجال السياسي من المجالات التي شملها الكمال والتمام في الشريعة الإسلامية ؛ إذ هو ليس مختلفا في طبيعته عن سائر المجالات الحياتية الأخرى .
ومن المستبعد عقلا أن يتعهد الإسلام بالتشريع والتوجيه في مجالات البيع والشراء والربا والرهن والإشهاد وأحكام النكاح والطلاق وأحكام الذبح ونحوها , ثم لا يشرع في المجال السياسي ولا يقدم رؤية شرعية تنضبط بها علاقات الناس فيما بينهم وتُحفظ بها حقوقهم .
والمراد بالكمال في الدين هو أن الإسلام وما تضمنه من نصوص ومبادئ كافٍ في هداية الأمة ووصولها إلى الرشد في عباداتها وعلاقتها بالله تعالى وفي معاملاتها وسياسيتها وأنظمتها في سائر عصورها , ويشرح الطاهر عاشور معنى الكمال في الشريعة فيقول :" إكمال الدين هو إكمال البيان المراد لله تعالى الذي اقتضت الحكمة تنجيمه،فكان بعد نزول أحكام الاعتقاد التي لا يسع المسلمين جهلها،وبعد تفاصيل أحكام قواعد الإسلام التي آخرها الحج بالقول والفعل،وبعد بيان شرائع المعاملات وأصول النظام الإسلامي،كان بعد ذلك كله قد تم البيان المراد لله تعالى في قوله :{ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل:89]وقوله:{لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل:44] , بحيث صار مجموع التشريع الحاصل بالقرآن والسنةكافيا في هدي الأمة في عبادتها، ومعاملتها، وسياستها، في سائر عصورها، بحسب ما تدعو إليه حاجاتها،فقد كان الدين وافيا في كل وقت بما يحتاجه المسلمون"( التحرير والتنوير4/103) .
والمقتضى العقلي لثبوت الكمال في الدين هو أن الأمة إذا أعطت النصوص الشرعية حقها من النظر والبحث فإنها لن تحتاج إلى غيرها من الأمم في إقامة دينها ودنياها , وستجد في المخزون الشرعي ما يحقق لها الكفاية في بناء النظم وحفظ الحقوق وضبط شؤون الحياة مما يتحقق بها الغنى التشريعي عن كل المنهاج والأنظمة المستوردة من الأمم الأخرى , وها هو ابن القيم يشرح هذا المعنى فيقول : " وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها وهو مبنى على حرف واحد , وهو عموم رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم , وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده , وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به , فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص : عموم بالنسبة إلى المرسَل إليهم , وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه , فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها"( إعلام الموقعين 4/375) .
وزيادة على ذلك فإنه لا يمكن لأمة من الأمم أن تصل إلى إحداث قوانين وأنظمة تشريعية تكون أفضل مما يمكن أن تُوصِلَ إليه نصوص الإسلام لو أعطيت حقها , وهذه ضمانة شرعية بأن أمة الإسلام ستكون أعلى الأمم قدرا ...وأنضجها سلوكا... وأحكمها نظاما وتشريعا... وأعلاها سياسة , وأن كل الأمم ستكون تابعة لها إن استثمرت المخزون الذي جاءت به الشريعة , وهذا لا ينفي أن تتفوق بعض الأمم على أمة الإسلام إذا فرطت في استثمار المخزون الشرعي لديها .
وليس معنى التقرير السابق منع الأمة من الاستفادة من تجارب ومنجزات الأمم الأخرى وإنما معناه : أن استفادتها لا تكون عن احتياج وفقر في مرجعيتها وموروثها التشريعي ولا نضوب في مخزونها الديني , وإنما يجيء الاحتياج ويصبح ضرورة واقعية حين تفرط الأمة في إعطاء النصوص الشرعية حقها وتفرط في دينها وتنصرف عن تحليل الموروث الشرعي والمعرفي التي تضمنته النصوص .
ضخامة المخزون السياسي الشرعي :
المادة السياسية في الإسلام مادة ضخمة ثرية , بحيث إنها تستطيع أن تلبي حاجات الأمة الإسلامية على مر عصورها , فقد اهتمت الشريعة اهتماما واسعا بالمجالات المرتبطة بحياة الناس ومعيشتهم , وسعت إلى بناء الأحكام وتأسيس المبادئ التي تحقق لهم السعادة , وتضبط لهم العلاقات المختلفة , وقدمت في ذلك نصوصا كثيرة , وقد توصل بعض علماء الإسلام إلى أن آيات الأحكام غير محصورة في عدد معين من القرآن , وأن استنباط الحكم الشرعي خاضع لقوة القريحة وعمق التفكير , ومنهم من حصرها في عدد معين وأوصلها إلى ثمان مئة آية , وأما أحاديث الأحكام فقد أوصلها بعضهم إلى أربعة آلاف حديث من غير المكرر وبعضهم زاد على ذلك وبعض نقص عن هذا العدد .
وكذلك هو الحال في المجال السياسي فإن اهتمام الشريعة به لا يقل عن غيره من المجالات , ولأجل هذا فإن مصادر الشريعة من نصوص القرآن والسنة – أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتصرفاته- احتوت على قدر كبير من النصوص المتضمنة للمبادئ والأحكام التشريعية التفصيلية , وهي تمثل ثروة هامة يمكن من خلالها تقديم رؤية ناضجة يسعد بها الإنسان في حياته السياسية .
وقد قام الإسلام بعمليات استصلاحية للنظم الفاسد في الجاهلية , كنظام البيع ونظام الزواج وغيرهما , وأتى بنظم بديلة عنها , ومن المستبعد عقلا أن يقوم الإسلام بذلك ثم لا يقوم باستصلاح النظام السياسي ولا يقدم فيه بديلا يسعد الناس به , وهو نظام مماثل لتلك الأنظمة في الطبيعة والحكم , فضلا عن أنه من أكثر الأنظمة فسادا في الجاهلية وأعمقها تأثيرا في حياة الناس .
تجربة الخلافة الراشدة :
ويزيد من ضخامة الموروث السياسي وحيويته ويوسع من مخزونه ويقوي من قدرته على مواجهة المتغيرات وتلبية المتطلبات : تجربة الخلافة الراشد , فهذه التجربة داخلة في صميم الموروث السياسي الشرعي ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أضفى عليها الشرعية وزكاها ووصفها بأنها خلافة نبوة وأمر بإتباعها وجعلها سنة متبعة , فقد قال صلى الله عليه وسلم :(تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون , ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها , ثم تكون خلافة على منهاج النبوة , فتكون ما شاء الله أن تكون , ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها , ثم تكون ملكا عاضا , فيكون ما شاء الله أن يكون...) ( المسند 18430) , وقال صلى الله عليه وسلم :(أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد , فإنه من يعش منكم فسيري اختلافا كثيرا , فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين , عضوا عليها بالنواجذ , وإياكم ومحدثات الأمور , فإن كل بدعة ضلالة) ( الترمذي2600) .
فنحن مأمورون من قِبَلِ الشرع بإتباع السنن التي كان عليها الخلفاء الراشدون , سواء كانت السنن السياسية أو العبادية المحضة , وذلك أن لفظ السنة عام يشمل كل ما كانوا عليه , وسياق النصوص يؤكد على أن المعنى الأولي للسنة فيها هي السنة السياسية ؛ لأن سياقها جاء في معرض الأمر بطاعة ولي الأمر والنهي عن مخالفته .
فمرحلة الخلافة الراشد تعد صورة زاهية في العقل الجمعي الإسلامي , ونموذجا ملهما للأجيال المتطلعة للرقي السياسي , ووقودا مفيدا في استنهاض الهمم الراكدة , وهو النموذج الأكثر دقة... والأجمل صورة... والأروع منظرا... والأبهى حلة ...والأقوى جاذبية... والأشد بنيانا... والأنقى منبعا... والأبلغ تأثيرا .
وتبرز قيمة تجربة الخلاقة الراشد بالنسبة لأجيال الأمة اللاحقة بأمرين اثنين :
الأول : أنها تجربة بشرية , فهي تشترك مع عموم الأمة بأنه لم تكن صادرة من المعصوم صلى الله عليه وسلم , وإنما هي نموذج قائم على التطبيق البشري للتشريعات السياسية الإسلامية , وهذا الحال يقربها من أجيال الأمة ويفتح الباب لتشوف الأمة إلى الإصلاح السياسي , ويجعل ذلك أمر قريبا ومطلبا ممكنا , ويسد المنافذ السلبية التي تصور الحكم السياسي الإسلامي بأنه غير متاح للتجربة البشرية .
الثاني : إنها تجربة غزيرة التطبيقات , فقد شهدت مرحلة الخلافة الراشدة مشاهد سياسية جديدة , وتغيرات كبيرة في طبيعة المجتمعات الداخلة تحت نطاق الحكم السياسي , وتنوعات واسعة في العلاقات بين طبقات تلك المجتمعات , واختلافات ظاهرة في ثقافتهم وأديانهم وتصوراتهم وسلوكياتهم , وتعددات كبيرة في عرقياتهم وبلدانهم .
وهذه الغزارة ساعدت على توسيع المادة السياسية في تلك التجربة وعلى استيعابها لكثير من الإشكاليات , فإذا أراد الباحث المعاصر أن يتحقق من تلك الغزارة فإنه سيجد شاهد ذلك في كمية القضايا السياسية التي ثارت في ذلك الزمن , وسيقف فيها على أجوبة وحلول لكثير من القضايا التي هي محل بحث ومثار جدل في عصرنا .
ومن أمثلة القضايا التي نجد لها حلا في تلك التجربة : طبيعة العلاقة بين الحكام والمحكوم , وتحديد الدوائر التي يسمح فيها للحاكم بالتحرك , ودور الأمة والشعب في الشأن السياسي , والموقف من التعددية السياسية والدينية , وحكم إنشاء الأحزاب والمجالس النيابية , والموقف من الترجيح بالأكثرية , وتحديد مفهوم المواطنة وضوابطها , وإيضاحا تاما لقضية الحقوق والأموال العامة , وغيرها من القضايا .
فإذا اجتمعت هذه المادة الغزيرة مع الموروث الشرعي المعصوم فستكَوِنُ مخزونا شرعيا وسياسيا ضخما , تستطيع الأمة من خلالها أن تبني مشروعا سياسيا ناضجا يخرجها مما هي فيه من الانحطاط السياسي , ويرتفع بها إلى مستويات عالية من الرقي .
أنواع الموروث السياسي :
ينقسم الموروث السياسي الذي تتناقله الأمة عن العهد النبوي والعهد الراشدي إلى قسمين :
القسم الأول : الموروث الذي يحمل الطابع التشريعي , وهذا النوع يأخذ أوصاف الأحكام العبادية الأخرى , كأحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج , من حيث وجوب الالتزام به , ولزوم الاستمساك بصفته وحدوده وضوابطه .
فالتشريع السياسي في الإسلام ليس مجرد قضايا كلية فقط , كالأمر بالعدل والمساواة والشورى , وإنما يتضمن قضايا تفصيلية تتعلق ببعض شؤون السياسية ومتعلقاتها الجزئية .
وهذا الأمر ليس غريبا في التشريع , فقد الشريعة جاءت في باب المعاملات بأصول كلية ومقاصد عامة تضبط الجزئيات الداخلة في نطاقها , كالنهي عن الجهالة والغرر والربا , ومع ذلك فقد جاءت بأحكام تفصيلية ملزمة تتحقق بها تلك المقاصد وتزيد من تأكيدها , كالحال في شروط البيع وأنواع المبيعات وضوابط الإقراض والعقود ونحوها .
وكذلك هو الحال في المجال السياسي , فهو لا يختلف عن غيره من المجالات الحياتية , فالمادة التشريعية فيه ليست كلية فقط تشترك فيها كل المجتمعات , وإنما فيها قدر كبير من المواد التفصيلية الملزمة .
ومما يدل على ذلك : أن مبدأ الحرية ليس مطلقا في الإسلام كما هو الحال في كل الأنظمة الأخرى , وإنما هو مقيد بقيود تفصيلية تتوافق مع أصول الإسلام وأحكامه , وقد حددت النصوص الشرعية تلك القيود , وهذا نوع من التشريع التفصيلي الملزم في المجال السياسي .
وكذلك هو الحال في مبدأ المساواة , فإن هذا المبدأ ليس مطلقا , وإنما لا بد فيه من اعتبار الضوابط التي دلت عليها نصوص الشريعة ومقاصدها , وهذا نوع من التشريع التفصيلي .
بل إن طبيعة العقد الذي بين الحاكم والمحكومين يأخذ في بعض تفاصيله الطابع التشريعي ؛ لأنه عقد وكالة , وهو من العقود التي جاءت الشريعة فيه بأحكام تفصيلية ملزمة .
وكذلك بينت الشريعة الأحكام التفصيلية المتعلقة بحكم الجمعة والجماعات والجهاد مع الحكام , وضوابط الطاعة له والخروج عليه .
وقد ضيف بعض الإسلاميين دائرة الجانب التشريعي في المجال السياسي , وتوصل إلى أن الإسلام لم يأت فيه إلا بأصول كلية ومبادئ عامة فقط , كالأمر بالعدل والمساواة والحرية والشورى .
ونحن إذا رجعنا إلى الموروث السياسي في الشريعة نجد أنه احتوى على مادة تشريعية تفصيلية كبيرة تساعد على انتظام المجال السياسي مع الأنظمة الأخرى التي جاءت بها الشريعة , فهي لم تترك كل ضوابط الحرية لتجارب الناس , يقيدونها كيف شاؤا على حسب تجاربهم , وإنما أقامت ضوابط عديدة تجعل الحرية المتاحة منسجمة مع المجالات الأخرى ومتوافقة معها .
القسم الثاني : الموروث الذي يحمل الطابع الإجرائي , وهو عبارة عن الأمور التي دخلت في الخطاب السياسي لأجل مصلحة تنفيذ الحكم الشرعي وانضباطه لا لأجل الإلزام به , فهي أمور لم يرع فيها الجانب التشريعي وإنما روعي فيه الجانب التنفيذي .
ويدخل في هذا النوع القضايا المتعلقة بالشكل التطبيقي للدولة والآليات التنفيذية والتراتيب والوسائل التي تتحقق بواسطتها الأحكام التشريعية والمقاصد الكلية .
فشكل الدولة وآليات التنفيذ فيها ليست أمورا توقيفية ملزمة , وإنما هي مصالح مرسلة راجعة إلى مراعاة الموارنة بين المصالح والمفاسد , وهي أمور متروكة لقدرات الأمة ومهاراتها على التطوير والتجديد والبحث على المناسب والمفيد .
وليس معنى هذا إغلاق باب الاستفادة من الأمور الإجرائية التي كانت في العهد النبوي والراشدي , وإنما غاية ما يدل عليه كشف طبيعته وبيان منزلته فقط .
وعدم التمييز بين هذين النوعين – التشريعي والإجرائي- يعد أحد أهم الأسباب التي أدت إلى كثير من الالتباس والاضطراب في تحرير الخطاب السياسي في الإسلام , وأضحت كثير من القضايا مثار جدل ومحل اختلاف نتيجة تلك الرؤية الملتبسة التي لم تستطع أن تميز بين طبيعة الأنواع الداخلة في الموروث السياسي , وهذه الإشكالية كان لها حضور مؤثر منذ زمن بعيد في الفكر الإسلامي , وقد ذكر ابن القيم طرفا من الخلاف فيها , ثم وصفها بوصف بليغ يكشف عن مدى خطورتها وأثرها , فقال :" وهذا موضع مزلة أقدام , ومضلة أفهام , وهو مقام ضنك , ومعترك صعب " ( الطرق الحكمية 13) .
ويتطلب الإنقاذ السياسي قدرا كبيرا من إدراك الفوارق المؤثرة بين النوعين – التشريعي والإجرائي- ومهارة فائقة في الموازنة بينها , والبلوغ إلى هذا التمييز يعد أحد المرتكزات الأساسية للوصول إلى النموذج السياسي الملهم , ومتى ما بقيت الصورة في حالة الالتباس فإنه ستتحول بعض القضايا التشريعية إلى أمور مصلحية غير لازمة , وتغدو بعض القضايا الإجرائية المصلحية أمورا تشريعية ملزمة , وهنا يقع الخلط والاختلاط والتضارب في الرؤية الإسلامية السياسية .
المخزون السياسي في الشريعة (2)
المكتسبات الرفيعة :
الانطلاق في الإنقاذ السياسي للعالم العربي والإسلامي من المخزون السياسي الشرعي يحقق مكاسب عالية الجودة ورفيعة المستوى وبالغة القدر وعميقة التأثير , والمكاسب التي يمكن استخلاصها متعددة الفروع , ولكنها ترجع إلى ثلاثة مكاسب رئيسة :
المكتسب الأول : الظفر بالقوة الدافعة :تحتاج المشاريع التي تقصد إلى التغيير الجذري في البنى المجتمعية إلى مادة روحية عالية التأثير وقوية الإشعاع , حتى تتمكن من أداء وظيفتها على المستوى المطلوب , ومتى ما فقدت تلك المشاريع المادة الروحية فإنها ستتحول إلى قوالب جامدة قليلة التأثير أو عديمته , وقد شهد التاريخ نماذج تؤكد هذه النتيجة , فإن أنظمة الشيوعية لم تتجذر في المجتمع ؛ لأنها ألغت كل القوى الروحية الدافعة للعمل والداعية للاقتناع بالتنظيمات , فكان مصيرها الفشل الذريع .
والحالة في هذا الارتباط حالة طردية ,فكلما ازدادت المادة الروحية جمالا وقوة وعلوا وحيوية ازداد تأثيرها وفعاليتها في النفوس ودفعتها إلى العمل والامتثال للقيم والمبادئ .
وهنا تبرز خاصية الإسلام في صياغة أنظمته المجتمعية , فهو لم يقدمها جافة فارغة , وإنما شبعها بالروح الدينية الدافعة التي تحقق القناعات الذاتية لدى أفراد المجتمع , وتسيره نحو امتثال قوانينها وتشريعاتها بقوة داخلية لا خارجية ... جاء الإسلام بتلك الروح التي تحمل كينونة خاصة تخاطب الوجدان الإنساني وتمتاز بالحيوية والنشاط والإيحاء بالحقائق الكبرى , وتخاطب الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذها .
إن المنطلق الديني الذي يختزنه الموروث الشرعي السياسي هو المنطلق الذي قلب أحوال العرب في الجاهلية , وانتزع منهم رواسب الظلم والجهل والبغي والاستبداد , وحولهم إلى نماذج مختلفة في تصوراتها وسلوكها وعلاقاتها .
إن الروح التي استطاعت فعل ذلك تستطيع أن تؤثر في المجال السياسي لدينا , فتخرج لنا النموذج الملهم .. النموذج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
فالقوة في المخزون السياسي ليست منحصرة في الجانب المعرفي والقيمي فقط , بل تتعدى ذلك إلى الجانب الروحي , فهو يمتلك طاقة روحية عالية , تسيطر على القلوب والأرواح وتدفعها نحو الامتثال والإصلاح , وتدعوا الأمة إلى أن تقول كلمة الحق , وتنصح للحاكم وتحاسبه وتقومه إذا اعوج ولا تخاف في الله لومة لائم .
فالانطلاق من عدل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين أبلغ في التأثير في نفوس الناس من الانطلاق من النظام الديمقراطي , والابتداء من حفظ النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين للأموال العامة أعمق في الأثر من الابتداء من النظام الديمقراطي .
إن إبراز هذه النماذج العالية في الموروث الشرعي يحقق الضمانات القوية في المحافظة على الحقوق والأموال العامة لما يمتلكه من القوة الروحية مما لا يوجد في غيره من الأنظمة .
وقد أثار عدد من المفكرين العرب سؤالا عن مقدار الضمانات التي يمتلكها النظام الديمقراطي للمحافظة على مقدرات الشعوب وعلى امتثال العدل في الممارسات الفعلية , وتوصل د/ راشد الغنوشي إلى أن المبادئ الديمقراطية لم تستطع " كبح جماح الفئات القوية الضاغطة عن التحكم والإفساد وتسخير السلطة لإفراغ جملة الضمانات التي قدمتها الديمقراطية من محتوياتها"( الحريات العامة2/10) .
وأكد على أن النماذج الغربية للديمقراطية تمارس استبدادا ناعما وفداحة كبيرة في النهب المنظم لأموال الناس , وقال :" رغم أهمية الآليات الديمقراطية ومبادئها ... فإنها لئن وضعت حدا لكثير من ضروب العنف السافرة , كالتي كانت عليها الأنظمة الديكتاتورية , فإنها لم تضع حدا , بل لم تخفف إن لم تكن فاقمت من ضروب العنف الخفية" ( السابق 2/11)
وكل هذا يؤكد لنا خطورة الفراغ الروحي الذي يعاني منه النظام الديمقراطي , ويؤكد أهمية البعد الديني والروحي الذي تشبع به المخرون السياسي في الشريعة وضرورة استحضاره في الإصلاح .
ومتى ما ابتعدنا عن الخطاب الشرعي المشبع بالروح الدينية وذهبنا نعتمد على الأنظمة الفارغة من تلك الروح , وغدونا نظهر للناس ونبشرهم بأنظمة مفتقرة إلى تأسيس شرعي في أصلها ومحتاجة إلى الامتداد التاريخي الديني , نكون في الحقيقة قد تخلينا عن نقطة القوة في الإصلاح السياسي ومنبع الاقتداء وشرط النجاح .
إننا بحاجة ملحة في هذا العصر الذي شُوه فيه الخطاب السياسي في الإسلام وغيبت فيه كثير من معالمه وصوره , وأقيمت في طريق الوصول إليه عقبات وعقبات , نحن في حاجة أن نعود إلى الروح الدافعة التي بثها النبي صلى الله عليه وسلم في الوجود , ونسعى إلى التشبع منها وبثها في الواقع مرة أخرى .
المكتسب الثاني : الوقوف على النموذج الملهم : إن التوجه نحو المخزون السياسي الشرعي – سواء النبوي منه أو الراشدي- والحرص على استيعابه وجمع كل مفرداته وتطبيقاتها المشرقة , وإعمال النظر في نصوصه , والبحث في كنوزه , والتنقيب عن أصوله , سيوصل إلى النموذج الصافي من كل ما يكدر صفوه .
وبذلك تتحقق الركيزة الأولى من الركائز التي يقوم عليها الإصلاح السياسي في المجتمع المسلم , فكما أن التجديد في مجالات البيع والشراء والمعاملات لا يبدأ من الاعتماد على النماذج الخارجية وإنما يتطلب أولا إبراز النموذج التشريعي الكامل , وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه , ثم تحاكم إليه النماذج والتجارب الأخرى ليحصل بينها التلاحق والتبادل ... فكذلك الحال في المجال السياسي , فإن الخطوة الأولى في مشروع تجديده وإنقاذه , لا تكون بالانطلاق من النموذج الديمقراطي أو غيره , وإنما تبتدئ أولا من إبراز النموذج السياسي الذي قدمته الإسلام وتحديد معالمه ومبادئه وتفصيلاته التشريعية والإجرائية , ثم بعد ذلك يتم التوجه نحو تجارب الأمم الأخرى ليحصل بينها وبين ما قدمته الشريعة من تلاحق وتبادل .
والوصول إلى النموذج الملهم يحقق لنا من جهة أخرى الشروط التي يجب توفرها في المشاريع المتعلقة بمصير الأمة , فإن هذا النوع من المشاريع يجب أن يكون متصفا بوضوح المنطلق وسلامة المأخذ وقوة الأدلة وانضباط المصطلحات ووضوح المقدمات وجلاء المآلات , لأنها لا تقبل أنصاف الحلول , ولا الضبابية ولا الإجمال ؛ إذ هي متعلقة بمصير الأمة , ومن أكبر من يحق لنا تلك الشروط : هو أن نقف على النموذج البنوي والراشدي في المجال السياسي بصورته الحقيقية وبإدراك ناضج واعٍ مستوعب لحدوده ومعالمه وضوابطه .
وفائدة أخرى نكتسبها من الوقوف على النموذج الكامل , وهي إبراز النموذج العادل الذي أسعد الناس وحافظ على حقوقهم من أقوى ما يكشف زيف الأنظمة المستبدة الظالمة , ومن أصلب ما يرفع الستر عن خوائها الداخلي ويقلل من مشروعيتها , فتلك النماذج الكاملة تمثل كابوسا مخيفا للمستبدين وغصة في حلوقهم , وشهادة تاريخية على إفلاسهم , وقد ذكر ابن كثير في تاريخه أن الحجاج وسيده عبدالملك بن مروان كانا ينهيان عن ذكر سيرة عمر بن الخطاب , ويقولان:" إنها مرارة للأمراء ومفسدة للرعية"( البداية 9/66) .
وهذا الحال يدعونا على مراجعة صادقة لمنطلقاتنا الإصلاحية السياسية وغيرها , ويدفعنا إلى الإلحاح بالسؤال : هل من الأفضل أن تعلق الأمة بالنماذج الكاملة التي تمثل البعد الشرعي وتحقق الامتداد التاريخي لها ,أم تعلقها بالنموذج الديمقراطي , الذي يعاني من انفصام نكد بين النظرية والتطبيق , ويتألم من تشويهات تطبيقية عديدة على أكثر من صعيد وفي أكثر من بلد .
المكتسب الثالث : تحقيق التوازن الإصلاحي : الانطلاق من المادة السياسية في الإسلام تعد ضمانة من أقوى الضمانات لإدراك التوازن في العملية الإصلاحية , فالذهنية المنطلقة من ذلك الموروث تكون عادة متوجهة نحو الشمول والاستيعاب , وسالمة من الاختزال والضيق في المجال الإصلاحي , لأن الإسلام عقد ترابطا شديدا ومعقدا بين أنظمته , فكل مجال منها متداخل مع غيره تداخلا كبيرا ومنسجما معه انسجاما عاليا , بحيث تُكَوِّن في النهاية لحمة واحدة تمثل التصور الإسلامي للكون والحياة .
وقد ألمح عبدالوهاب خلاف إلى هذا التداخل حين قال :" العقيدة لها أثرها في إحسان العبادة , والعقيدة والعبادة لهما أثرهما في تكوين الأخلاق , والأخلاق لها أثرها في حراسة التشريع , والتشريع له أثره في حماية الدولة ورفعتها , والدولة لها دورها في الحفاظ على العقائد والعبادات والأخلاق والتشريعات , فكل هذه الأمور يؤثر بعضها في بعض , ولا يستغني بعضها عن بعض , فلا بد من العناية بها جميعا , إذا أردنا أن نقيم حياة متكاملة متوازنة كما أمر الله "( علم أصول الفقه 37) .
وهذا الكلام يؤكد على أن عربة الإصلاح لا تسير على عجلة واحد , وإنما لا بد فيها من عجلات متعددة حتى يمكنها أن تسير باتزان وفي طريق مستقيم , وتحقيق الاتزان وإقامة ذلك الترابط الذي يقيم الحياة كما أمر الله يقوم أول ما يقوم على إدراك الموروث الشرعي والانطلاق منه في مسيرة الإصلاح .
ولا نعني بالتوازن الإصلاحي هنا : إلغاء التخصص في مجال من المجالات , ولا نعني به أيضا المنع من كثرة الاهتمام به دون غيره , ولا نعني به المطالبة بالمساواة بين كل المجالات في كل الأحوال في الدعوة والاهتمام , كل هذه المعاني غير مقصودة , وإنما نعني به إعطاء كل مجال ما يتطلبه من إصلاح مع عدم التحقير والتقليل- بالقول أو بالممارسة - من الجمالات الأخرى .
ومتى ما افتقد المشروع الإصلاحي التوازن فإنه يظل في حالة من السلبية والعدمية , وهذا ما وقع فيه الفكر العربي المعاصر , فلو قمنا بعملية تحليلية للمشاريع الإصلاحية التي قدمت في الفكر العربي المعاصر فإنا نجدها تعاني من الاختزال الشديد في تصور فكرة الإصلاح , نتيجة افتقادها للتوازن المنضبط , فبعض تلك المشاريع تصور أن الإنقاذ الحقيقي يكون بالإصلاح الثقافي والفكري دون غيره, وبعضها يتصور أن الإنقاذ الحقيقي يكون بالإصلاح السياسي دون غيره , وبعضها يحدد مجالات أخرى مختلفة , وبقليل من سعة الأفق والهدوء في المعالجة يتبين لنا أن الركيزة الأولى في الإصلاح هي في التوازن بين كل تلك المجالات وإعطاء كل مجال ما يستحقه من جهد وبحث وتأصيل .
الخطوات العملية لاستثمار المخزون السياسي :
تضمن الموروث السياسي في الشريعة إشارة هامة إلى العودة الحميدة للنظام السياسي الرشيد , ووعدا صادقا به , فقد قال صلى الله عليه وسلم :"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها , ثم تكون خلافة على منهاج النبوة , فتكون ما شاء الله أن تكون , ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها , ثم تكون ملكا عاضا , فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها , ثم تكون ملكا جبرية , فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها , ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" ( المسند 18430) .
فهذا الخبر يفتح الآمال أمام الأمة لتسعد بجمال الأنظمة الإسلامية , ولكن من المستحيل عقلا أن ترجع الخلافة الراشدة بنفسها من غير جهد أو عناء , ومن المستبعد عقلا أن تقوم خلافة النبوة في الواقع مع جهل الناس بها وبمعالمها وبتفاصيلها وبقلة وعي الناس بها .
وهذا كله يستدعي من الأمة حرصا شديدا على معرفة معالم الخطاب السياسي في الإسلام وتحديدا واضحا لمبادئه وأقسامه ومحتوياته , واهتماما واسعا بمفرداته وملامحه , وغوصا عميقا في بحار واستخراج كنوره .
وأحسب أن استثمار الخطاب السياسي في الشريعة يقوم على ثلاث خطوات :
الخطوة الأولى : الجمع والتصنيف : ما زال المخزون السياسي مبعثرا في المصادر الإسلامية , ولم يحظ بمشروع يجمع شتاته ويؤلف بين متفرقه , فهو مبعثر في القرآن وكتب السنة من الصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات وكتب الحديث الأخرى , وكذلك هو مفرق في كتب التاريخ والتراجم , فهو يحتاج إلى قدر كبير من البحث والتنقيب ليجمع في مكان واحد كما فعل الفقهاء في نصوص الأحكام , ويتبع ذلك القيام بتمييز الصحيح من الضعيف منها , ثم يعقب ذلك تبويبها وتقيمها على الأبواب والمسائل .
والمتابع للكتب المؤلفة في فقه السياسة يجد عزوفا ظاهرا عن الاستناد إلى المخزون الشرعي في السياسة , واعتمادا كبيرا على الاجتهاد والتخريج والاستنباط الشخصي , وقد قام الدكتور / حاكم المطيري بعملية استقرائية استطاع من خلالها الكشف عن قدر كبير من ضخامة الموروث السياسي في الشريعة , ولو قمنا بالمقارنة بين ما جمعه وبين ما في كتب فقه السياسة سواء المتقدمة منها , ككتاب المارودي وأبي يعلى , أو المتأخرة والمعاصرة فإن سنجد بينها فارقا شاسعا في كمية المخزون السياسية التي تم استحضاره واستثماره في بناء التصورات السياسية , وهذا الحال يكشف لنا أحد الإشكاليات المنهجية في تلك المؤلفات .
الخطوة الثانية : الدراسة والتحليل : لا يكفي في استجلاء الصورة الحقيقية للخطاب السياسي في الإسلام مجرد جمع المادة السياسية فيه فقط , بل تحتاج مع ذلك إلى دراسات علمية معمقة , تعتمد على مهارات التحليل المنهجي البليغة , وتستند إلى آليات البحث الفقهي المتقن , حتى يمكننا التوصل إلى حقيقة ما كان عليه الخطاب السياسي في المرحلة الكاملة , ويمكننا التمييز بوضوح بين الجانب التشريعي منه والجانب الإجرائي , ويمكننا أيضا تحديد الضوابط التشريعية بشكل واضح وجلي .
ومما يساعد على إنجاز تلك الدراسة المعمقة للمخزون السياسي : التخلص من الخطاب الفردي والتوجه نحو الرؤية الجماعية , فمن المهم أن يتحول البحث السياسي ليكون بحثا مؤسسيا يحمل رؤية جماعية , وذلك عن طريق عقد الندوات وإقامة المؤتمرات وحلقات النقاش , وتبني المراكز البحثية لهذا الموضوع , فقد غدت المنهجية الجماعية ضرورة واقعية نتيجة تعقد الواقع وتشابك القضايا السياسية في واقعنا المعاصر وازدياد ترابطها وتداخلها , مما يستدعي ضرورة التخلص من الرؤية الفردية والانتقال إلى الرؤية الجماعية .
الخطوة الثالثة : الدعوة والتوعية : تحتاج المشاريع التي تقصد إلى التغيير الجذري إلى قدر كبير من الدعوة الجماهيرية , وتتطلب جرعة عالية من تنمية حس الوعي الحقوقي بها وبأهميتها وفائدتها , فلا يكفي في الإصلاح السياسي أن يكون هما خاصا بالنخبة أو فكرا محدودا في الدائرة المثقفة , وإنما لا بد أن ينتقل إلى الجماهير ليكون رأيا عاما وهما مشتركا بين كل الفئات .
والمخزون السياسي في الإسلام يمتلك قوة عالية من التأثير ورؤية واضحة توصل إلى درجة عالية من الوعي الحقوقي , يمكن من خلالها تكوين القوة الضاغطة على الواقع لتغييره وتبديله .
وفي ختام هذه الجولة في المخزون السياسي , وبعد اكتشاف ضخامته وأهميته , وجودة مكتسباته , يبدو أن سؤالا ملحا غدا يلوح في الأفق , وهو : من المسئول عن تغييب المخزون السياسي الشرعي وعن خفوت أثره في الواقع المعاصر ؟!
الإسلام والأمن الروحي للإنسان
كثيرةٌ هي الكتب النّفسية والاجتماعيّة التي تطرقّت لعلاقة الدين بالأمن الروحي والنّفسي la paix spirituelle et psychologiqueللإنسان، وتتّفق كلّها على أنّ القلق هو السبب الرئيسي في اضطربات الحياة النّفسيّة للشخص، وافتقاده للأمن الروحي الذي يحقق له نوعاً من الاندماج والتحصين أمام الأمراض النّفسيّة المختلفة، ويمدّنا الإسلام بطرق تنمّ عن نجاح الإييمان بالله في شفاء مختلف الأمراض التي تعتري الشخصيّة، وتحقيق الشعور بالطمأنينة والسكينة، فالإنسان إن تشرّب العقيدة الإسلاميّة منذ الصغر يكتسب مناعةً قويّة ضد هذه الأمراض، فمن نتائج الإيمان في القرآن الأمن الروحي وذلك في قوله تعالى: { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ( الرعد: 28 ) .
هذه الطمئنينة القلبيّة نابعةٌ من كون المسلم يعتقد في عون الله ورعايته وحمايته، فهو دائم التوجّه إليه سبحانه، يأنس بالله في وحشته، فما أسوء شيء يمكن أن يحدث له ؟ أن يموت ؟ فالموت هو انتقالٌ إلى الرفيق الأعلى حيث الجنّة التي طمح إليها سنينَ عديدةٍ، ونظرة المؤمن إلى المصيبة تختلف عن نظرة الملحد، فالأول يعلم يقيناً أنها جوهر الحياة القائم على الامتحان والابتلاء الذي يؤجر عليه حين صبره، في حين أن الثاني يجزع ويغتمّ فهو يعتقد في هذه الحياة فقط إن ضيّعها ولم يعشها في رخاء لم تكن له فرصةٌ أخرى وكان مصيره الزوال.
فالمسلم يؤمن بقول الله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون } ( الأحقاف: 13)، وفي قوله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } ( النساء: 48) .. فيكفي أن الإنسان يستقيم على الصراط المستقيم فيضمن الجنة، وقد جاء في الحديث: أن رجلا سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات – أي الصلوات الخمس -، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا، أأدخل الجنة ؟ قال: (نعم)رواه مسلم .
فتنتابُ المسلم ثقةٌ في الله تعالى تريح قلبه ووجدانه، ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم -: (جعل اللَّه الرّحمة في مائة جُزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جُزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمِنْ ذلِك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها؛ خشيةَ أن تصيبَه ) رواه البخاري .
إن من مقتضيات الإسلام أن يعلم المؤمن أنه في هذه الدنيا كعابر سبيل، لا يلبث إلا وينتقل إلى الحياة الآخرة، فتكون دنياه مبنيّةً على هذا المفهوم، ويكون مهيّئاً للعمل الصالح، لا يخاف مصائب الدّهر، ودواهي الأيّام، في مختلف الجوانب، ويؤمن بالقضاء والقدر وأنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له .. وبالتالي لا يعيش مهموماً أسير الماضي أو يقول لو فعلتُ كذا لما أصابني هذا، ولا يحمّل نفسه خطأ مرضيّاً كما يُلاحظ عند الغرب، وتأمّل معي الوصيّة النبويّة:(المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِص على ما ينفعُكَ، واستِعِن باللَّهِ ولا تعجِزْ، وإن أصابَكَ شيءٌ، فلا تقُل: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وَكَذا، ولَكِن قل: قدَّرَ اللَّهُ، وما شاءَ فعلَ، فإنَّ لو تَفتحُ عملَ الشَّيطانِ.) رواه مسلم .
فالإنسان المسلم لا يخاف من الأشياء التي يخاف منها الناس عادةً: كالموت والمرض والفقر ومصائب الدّهر، (1) فيكون أجلد من غيره على تحمّل المصائب والنوائب؛ لأن الابتلاءات في حقيقتها منحٌ تثقل ميزان العبد بالحسنات. وفقدان الإيمان بالله يجعل الحياة خالية المعاني، وينحرف عن مقصد خلقه، فتتلقّفه الهموم والمشاعر المزعجة، كالإنسان الذي يخرُّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} ( الحج: 31).
إن اتباع المنهج الإسلامي لكفيلٌ بتحصين الإنسان من الآفات النّفسية، والأمراض التي قد تتطوّر إلى عقليّةٍ، فإن كان علماء النّفس يقرّون بأهميّة الدين في علاج تلك الأمراض والمشاكل، فماذا سنقول عن الدين الحق والرسالة الخاتمة، بامتيازاتها العقديّة والتشريعيّة، وخصائصها العبادية والنّفسية؟
اليوم ندعوك أيها الشاكّ من هذا المنبر، أن تقف وقفةً مع نفسك، وتفكّر مليّاً في كلام هذه المقالة أعلاه، وتيقّن أنه حان الوقت لأن تقول: كفى ! كفى من الحيرة والشكّ، وكفى من الضياع والتيه، قل للقلق كلاّ، وللاكتئاب قد اكتفيتُ من مهالكك ووساوسك، وأقبل على الله، تجده اتجاهك، وارتق في مراتب الإيمان تفز بالأمن الروحي الدنيوي والأخروي .
هوامش المقال
1- راجع مقال: "الانفعالات النفسية في القرآن وتوجيهها فيما ينفع" على الشبكة الإسلامية.
الإسلام والتغير الثقافي لعرب الجاهلية 3
مع الحلقة الثالثة من الثورة الثقافيّة التي رسّخها الإسلام في نفوس عرب الجاهليّة، تلك الأقوام المتفرّقة الغارقة في غياهب الضلالة، والعائمة في مستنقعات اللهو والمعاصي والعصبيّات سنةً تلو سنةٍ وقرناً تلو قرنٍ، لا يساهمون في بناءٍ حضارةٍ ولا يفيدون أقواماً أخرى في الأخلاق، وكأنّهم عالةٌ على كوكب الأرض.
وقد استطاع الإسلام أن يحقق هذا التغيير الثقافي، والتي يعرفها المركز الوطني للموارد النصيّة واللفظية الفرنسي في موقعه CNRS: " هي مجموع التغيّرات التي تطرأ على مجموعة ثقافية تهم كيفية رد الفعل، والملاحظة، والحكم، والعمل،والتفكير والكلام .. ".
وهذا ما عاشه العرب بكل ما للكلمة من معنى، وقد رأينا ضرباً من ذلك في أجزاء المقالة السابقة ونضيف أيضاً الآتي :
من قبائل متفرّقة متناحرة إلى دولةٍ موحَّدةٍ :
فالحال عند العرب قديما مجموعةٌ من القبائل المتفرّقة، كلُّ قبيلةٍ على رأسها سيّدٌ، تنشبُ الحروب بينها على أتفه الأسباب وتدوم عقوداً وتهرق فيها الدماء باطلاً ! أما في جانب السياسة فلم يكونوا يحسنونها مطلقاً، لا في باب الاقتصاد ولا تسيير الشؤون ولا في الإدرات العامّة، بل حتى في المنازعات كانوا يحكمون بالعرف؛ هذا الأخير الذي كان يحمل في طيّاته ظلماً كبيراً للنّاس، أشبه بقانون الغاب حيث أن القويّ يأكل فيه الضعيف.
فجاء الإسلام بشريعته الغنّاء التي تؤسس للعدل والتي تشمل كلّ مناحي الحياة، فتحوّلت هذه القبائل إلى دولةٍ متراصّة الصفوف، لا فرق فيها بين قويٍّ وضعيف، ولا صاحب نسب وجاهٍ ومقطوع النّسب ! حتى أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم طلبوا منه أن يشفع لامرأةٍ سرقت فقال لمن أرسلوه له : ( أتكلِّمُني في حدٍّ من حدودِ اللهِ ؟ .. أما بعد، فإنما أهلك الناس قبلَكم : أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفسُ محمدٍ بيده، لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها. ) رواه البخاري .
فقطع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كل محاولةٍ ترمي إلى إبطال الحدود تحت بند الشفاعة ! فكان الكلّ سواسيةً أمام الشريعة، وشرع الزّكاة كضريبةٍ تأخذها الدولة من الغنيّ لتعطي الفقير، وكان بيت مال المسلمين أكبر معينٍ بعد الله تعالى للفقير المعسر، ونظّم الأمور وخط حدود العلاقات بين الناس، وأرسى قواعد السياسة الداخليّة والخارجيّة ... وأصبح المجتمع يفكر في كيفية تحقيق العدالة الاجتماعيّة، ودولة الرخاء، والتطور الاقتصادي والفكري .
القطيعة مع ازدراء الفقراء :
وكانت العرب تزدري من لا مال له، حتى أنهم كانوا يحقرونه ولا يجالسونه أبداً، وقد روى الإمام أحمد عن ابن مسعود أنه قال : ( مرّ الملأ من قريش على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعنده صهيب وعمّار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا : يا محمد رضيت هؤلاء من قومك أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتّبعك..) أخرجه أحمد والطبراني .
فنزلت الآية الكريمة الرائعة : { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون *ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين } ( الأنعام : 51-52 ).
فأتى الأمر الربّاني بعدم الامتثال لهذه العادة الجاهليّة الخبيثة، وأقرّ مبدأ الأخوّة الإيمانية لا فرق بين غنيّ وفقير، وبين خليفةٍ وعاطلٍ وقال سبحانه : { إنما المؤمنون إخوة } ( الحجرات : 10)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد .. لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى ) أخرجه أحمد .
فكانت المساواة بين المؤمنين من أكبر القيم التي رسّخها الإسلام في نفوس العرب، وهي لعمري من أكبر المبادئ التي دعا إليها الإسلام، وذمّ الكبر والعجب، وقال صلى الله عليه وسلم : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) رواه مسلم.
وكانت من العادات الجاهليّة أن الناس تفتخر بآباءها وجاهها وعشيرتها، وقد أبطل الإسلام ذلك : (إن الله قد أذهب عنكم عبية - الكبر والترفع والتفاخر- الجاهلية وفخرها بالآباء إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان – حيوان كالخنفساء- التي تدفع بأنفها النتن.) كنز العمال .
وهذا خطابٌ لكلّ من لا زال يتفاخر بانتسابه لأقوام كافرةٍ كالفراعنة والفينيقيين واليونان والأمازيغ قبل الإسلام وغيرهم .
الدعوة إلى التداوي بالطب لا بالخرافات :
وقد كان من أساطير العرب التداوي بأساليب خرافية لا تنفع بل تضرّ، ومنه ما قاله الإمام الألوسي : " ومن تخيلات العرب أنهم كانوا إذا خافوا على الرجل الجنون وتعرضت الأرواح الخبيثة له نجسوه بتعليق الأقذار عليه كخرقة الحيض، وعظام الموتى.. " -1-
وقال في موضع آخر : " ومن مذاهب العرب تعليق الحلى والجلاجل على اللديغ، يرون أنه يفيق بذلك، ويقال إنه إنما يعلق عليه لأنهم يرون إن نام يسري السم فيه فيهلك، فشغلوه بالحليّ والجلاجل وأصواتها عن النوم .. " -2-
ومنه تعليق كعب الأرنب لضمان الصحّة، وتعليق عظام الميت حذراً من الموت ، وأن دم رئيس العشيرة يشفي من عضّة الكلب وغيرها .. وكل ذلك كان من الجهل والكهانة والسحر الذي أبطله الإسلام، ورأيناه فيما سبق من أجزاء المقالة.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتداوي والإقبال على علم الطب والصيدلة فهي ما تنفع الناس بإذن الله التي جعل فيها الشفاء، فقد قال صلى الله عليه وسلم : (تداووا عباد الله ، فإن الله لم يضع داءً ، إلا وضع له دواء غير داء واحد هو الهرم) رواه أحمد وأبو داود.
وقال في صحيح مسلم : ( لكلٍّ داءٍ دواء ، فإذا أُصيب دواء الداء ، برأ بإذن الله )، فليس الشفاء في تلك الأساليب الجاهليّة بل ذلك مما يزيد الطين بلّة.
إننا نبصر الحال الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، حتى إن المرء ليضحك من مثل هذه الأساليب والجهالات، ولذلك كان الإسلام أكبر نعمةٍ أنعمها الله عليهم وعلى غيرهم، مما يدفع فرية من يقول بأن الإسلام هو للحضارة المتخلّفة وليس هو لزماننا هذا! وهي فريةٌ لا تصمد أمام ما ترى فلعلّك تعتبر .
هوامش المقال
1- بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، 2/324.
2- المصدر السابق : 2/304.
دين الحق والخير والجمال
الإسلام دين الحق والخير والجمال؛ لأنه حق كله، وخير كله، وجمال كله؛ فلا باطل فيه، ولا شر فيه، ولا قبح فيه. وأما ما عداه فيختلط فيه الحق بالباطل والخير بالشر، والجميل بالقبيح.
وهو دين الحق والخير والجمال؛ لأنه يوائم بين هذه القيم الثلاث، ويجعل كلاًّ منها كما ينبغي أن يكون، معاضداً للآخر ومعيناً عليه، بينما يجعلها غيره من المذاهب والحضارات والنِّحَل متشاكسةً متضاربة، يهدم بعضها بعضاً. يرون في جمال الفنون مسوِّغاً لاتخاذها وسيلةً إلى قول الزور، وهدم الفضيلة؛ وفي جمال التعبير شعراً كان أم رواية ما يجعل من حق القائل أن يختلق الأباطيل ويروِّج للشرور، ويجاهر بالفسوق.
والإسلام دين الحق والخير والجمال؛ لأن المعبود الذي يدعونا إليه هو الحق، وهو فاعل الخير، وهو الجميل الذي لا يضاهي جمالَه جمالٌ.
فالله تعالى هو الحق الأعلى الذي لا يقارِب أحقيّتَه حقٌّ؛ فهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو الخالق لكل شيء.
وربنا تعالى خيرٌ مَحْضٌ؛ فالخير كله بيديه، والشرّ ليس إليه. وربنا تعالى جميلٌ يحب الجمال .
والرسول الذي أرسله إلينا حق، نعرف نسبه، ومولده، ونشأته، وصفاته، بل نعرف عنه ما لا يعرف أحد عن بشر سواه؛ فهو ليس كأولئك الذين يعتقد بعض أصحاب الديانات فيهم، وهم لا يملكون دليلاً تاريخياً حتى على وجودهم، ودعك من سيرتهم.
وكان رسولنا متصفاً بكل صفات الخير، حتى قال عنه ربنا سبحانه: {وإنك لعلى خلق عظيم}(القلم:4)، وحتى قالت عنه زوجه التي عرفت مداخله ومخارجه : "كان خلقه القرآن".(1)
كان صادقاً، أميناً، وفياً، كريماً، رحيماً، شجاعاً، صبوراً، دوَّاراً مع الحق حيث دار، لا تأخذه في الله لومة لائم. وكان جميل الصورة، جميل الروح، جميل الحديث. وكان لذلك رجلاً مهيباً.
والقرآن الكريم الذي أنزله تعالى كتاب يقول الحق، ويهدي إليه، ويأمر بالخير وينهى عن الشر، ويعبر عن كل ذلك بلغة هي الذروة العليا من الجمال : {وبالحق أّنزلناه وبالحق نزل}(الإسراء: 105). {الم*ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} (البقرة : 1، 2)،{لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت : 42)،{إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (الإسراء: 9)، {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} (الأنعام: 115)، (صدق في الأخبار وعدل في الأوامر والنواهي)،{الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} (الزمر: 23).
فهو ليس كالكتب الدينية التي يشك أصحابها في أصولها، وفي ترجماتها، وفي معانيها.
وبما أن هذه القيم الثلاث مجتمعة في الإله المعبود، وفي الرسول المبعوث، وفي الكتاب المنزل، فإن أحسن أحوالها أن تكون كذلك متداخلة في حياة البشر؛ ولذلك نجدها متداخلةً موصوفاً بعضها ببعض في كتاب ربنا وسنة رسولنا : فمكارم الأخلاق توصف بالجمال:{فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} (يوسف: 18)، {فاصبر صبرا جميلا}(المعارج: 5)، والقول يوصف بالحسن وهو مفهوم جمالي وبه يوصف الفعل : {ادفع بالتي هي أحسن} (المؤمنون: 96)، {وقولوا للناس حسنا} (البقرة: 83)،{وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل: 125).
ولا تناقض بين الانتفاع بالشيء وتذُّوق جماله، بل إن هذا الذي ينبغي أن يكون: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون* ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤف رحيم} (النحل:5 – 7 ).
{قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين} (البقرة: 69)، {أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون} (النمل: 60).
وتأمل هذه الآية الكريمة التي يأمرنا الله تعالى فيها بالنظر إلى ثمر النبات وينعه : {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون} (الأنعام: 99). والنظر إلى الثمر واليَنْع لا ينفك عن رؤية ما فيه من بهجة وجمال. فكما أن خلقه آية، وما فيه من غذاء آية، فجماله أيضاً آيةٌ لقوم يؤمنون. وانظر كيف جمع سبحانه بين الأمر بالنظر إليه، والأمر بإيتاء زكاته : { كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} (الأنعام: 141).
والمحظوظ من كانت له زوجة تجمع بين حسن الخلق وجمال المنظر: إن نظر إليها سرّته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله .
وكما أن هذه القيم يوصف بعضها ببعض، فإن ديننا يجعل بعضها وسائل لبعض. فالدعوة إلى الخير لا تُبنى إلا على الحق، ولا تكون إلا مقرونةً بالحسن والجمال: فالقصص القرآني أحسن القصص محتوىً وأسلوباً، لكنه كله مبني على الحق، لا على الخيال. إنه يقرر واقعاً ولا يختلق باطلاً ليتوسل به إلى عِبرٍ أخلاقية أو دينية: {نحن نقص عليك أحسن القصص}(يوسف: 3)، {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} (يوسف: 111).
والدعوة إنما تكون بالكلام الجميل الذي تأنس به المسامع وترتاح إليه القلوب: {وقولوا للناس حسنا} (البقرة: 38)، {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل: 125).
لكن بعض إخواننا عفا الله عنهم جعلوا الدعوة إلى أعظم حق وأفضل خير: عبادة الله وحده، والاستمساك بسنة نبيه جعلوها مرتبطة بأنواع من الجفاء والغلظة التي تنفر منها طباع الكرام. ألم يتأملوا قول الله تعالى لرسوله: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} (آل عمران: 159).
يا لله! فكأن الله تعالى يقول لرسوله الكريم: إنك لو أبقيت على كل ما فيك من خصال الخير، ولو بقيت تدعو إلى ما تدعو إليه من حق، لكنك كنت مع ذلك فظاً غليظ القلب لانفض من حولك هؤلاء الذين هم الآن معك. لماذا يا ترى ؟ لأنهم أناس كرماء يحترمون أنفسهم، ولا يرضون لها أن تذل حتى من رجل في مثل شخصية الرسول. وما كل الناس كذلك؛ بل إن منهم من لا يبقى ويطيع إلا مع الإذلال والهوان. ألم يقل الله تعالى عن قوم فرعون : {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} (الزخرف: 54).
وصدق القائل : "إذا أنت أكرمتَ الكريم ملكتَه وإن أنت أكرمتَ اللئيمَ تمردا"، ودعوة الحق إنما يصلح لها هذا النوع من كرام الناس. إنهم هم الذين يصدقون فيها ويتحملونها بقوة وشجاعة. فليكونوا هم إذن طَلِبَتَنا حين ندعو؛ ولندعهم لذلك بطريقة تليق بهم، فتجمعهم حولنا ولا تنفرهم منا. أما اللئام الذين يرضون بالهوان فلا خير فيهم، ولا رجاء منهم.
وقابل هؤلاء أناس تذرعوا بلين الكلام وخفض الجانب ليوقعوا الناس في مهالك الشرك والابتداع. والسعيد من وفقه الله تعالى للدعوة إليه بالتي هي أحسن .
الجمال إذن محمود ومرغوب فيه، وهو قرين الحق والخير. فأما حين يكون مَظِنَّةً لأن يُتَّخَذَ وسيلة لهدم المكارم فإن الإسلام يمنع الاستمتاع به؛ ولذلك فإنه يحرم النظر إلى بعض الصور الجميلة، والاستماع إلى بعض الأصوات الجميلة حين يكون ما فيها من جمال ذريعة إلى شرك أو هدم مكارم. ولهذا حرّم النظر إلى زينة النساء لغير محرم أو زوج؛ لأن الاستمتاع بجمالهن قد يكون وسيلةً إلى هدم الفضيلة. وأباحه للمحارم؛ لأن هذه العلّة منتفيةً في حقهم، وأباحه للأزواج، بل ودعاهم إليه؛ لأنه استمتاعٌ حلال، وقد يكون وسيلة إلى الامتناع عن الحرام.
وكذلك الأصوات الجميلة قد يرتبط جمالها بخاصةٍ فيها، أو في المستمتع بها، تثير مشاعر الرذيلة، أو تكون ملهيةً عن فضيلة. فخضوع النساء بالقول قد يثير الطمع فيهن وإن كن أزواج نبي، ولذلك مُنِعْنَ منه: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا} (الأحزاب: 32). وقل مثل ذلك عن المعازف وأنواع من الغناء. قال تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين} (لقمان: 6)، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : "هو والله الغناء ".
فالحمد لله الذي هدانا للحق، وسهَّل لنا سبل الخير، ومتعنا بجمال الكلام، وجمال الخلق، وجمال المعاني .
هوامش المقال
1- رواه أحمد، ح، 33460 (2) رواه ابن ماجة، ح/ 1847
الشريعة بين الثبات والشمول
إن من مسلّمات الشريعة وقواطع نصوصها تقريرها هيمنتها على سائر الشرائع السّابقة والقوانين الوضعيّة اللاّحقة، هذه الهيمنة ممتدّة بامتداد الواقع، وتستغرق بامتداد الزمان والمكان؛ بل هذان الأخيران لا يصلحان إلا بها، وبتحكيمها، فهي خاتمة الرسالات، ومن لوازم هذا أن تبقى صلاحيتها إلى غاية قيام السّاعة، فجعلها الله شاملةً لتفاصيل الحياة كلّها، يقول الإمام ابن القيّم في خاصيتي العموم والشمول :
" فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص، عمومٌ بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعمومٌ بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه مَن بُعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به ." -1-
ولا منازعة بين علماء الإسلام قاطبةً بوجوب تطبيق الشريعة الإسلاميّة في كافّة جوانب الحياة الإنسانية، سواء الأصوليّون الذين توسّعوا في قياس غير المنصوص على حكم المنصوص، أو الأصوليّون الذين ضيّقوا من مساحة القياس .
ولا يجوز في حالٍ من الأحوال، القول بعدم صلاحيّة زمانٍ أو مكانٍ لحكم الله تعالى، لأن حق التشريع لو رجعنا إلى الوحي محصورٌ في الله عزّ وجلّ، ويكون كل تشريعٍ آتٍ من العبد العالم المجتهد مستمدّاً من الشّريعة الإسلاميّة التي جعلت مساحةً كبيرة وقواعد ملزمةٍ للاجتهاد والفُتيا في النّوازل .
فالشمول في المنهج الرباني يستقطب كل حاجيات البشر، ويستوعب كل مصالحهم الدينية والدنيوية.
فهو يتناول النفس البشرية بالإصلاح، وشؤون الأسرة بالتربية، ومشاكل المجتمع بالتنظيم ويتناول الشمول العلاقات الدولية والإنسانية وعلى الخصوص وحدة الأمة الإسلامية وأخوتها وعلاقتها بغيرها من الدول في حالتي السلم والحرب.
وهو في الشريعة الإسلامية يعالج كل شؤون الحياة الإنسانية فليس هناك من خيرٍ إلا دعا إليه، ولا من شرٍّ أو محظورٍ إلا نهى عنه ومنعه.
كما يتّسع ليشمل نظام الحكم في الإسلام، فهذا الأخير مبنيٌّ على أساس العدل، والشورى، والمساواة بين العباد وجلب المصلحة، ودرء المفسدة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الحاكمية في هذا النظام لله وأن مصدر التشريع هو الكتاب والسنة، قال تعالى : { فإن تنـازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنـون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلاً } ( النساء 59).
ويتناول الشمول كليات الدين الخمس التي فرض الإسلام المحافظة عليها وهي : الدين والنفس، والعقل، والمال، والعرض. وأن الإنسان المسلم مكلف بجميع التكاليف الشرعية من عبادات ومعاملات وأخلاق، مسؤول عنها ومتابع عليها فيجازى على إحسانه ويعاقب على إساءته، قال تعالى : {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى }
(النجم 39 -41)
أما خاصيّة الثبات، فنقصد بها مجموع العقائد الثابتة والأحكام القاطعة والقواعد المستقرّة التي تنسجم مع روح الإسلام ومقاصده، وليس هو كما تدعيه مختلف التيارات والمذاهب الفكرية زوراً وبهتاناً، فمن جهةٍ فالله عز وجل حصر التشريع في نفسه سبحانه وتعالى ومن ذلك قوله :
{ إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } ( الأنعام : 57)
{ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم } ( الشورى : 21)
{ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون } ( المائدة : 50)
ذلك أنّه في مقارنة الأديان، يتمّ التفريق بين الشموليّة منها التي تمسّ كلّ جوانب الحياة، ومن ذلك الإسلام واليهوديّة والهندوسيّة وغيرها، وتلك التي لا تتوفر على شريعة كالمسيحيّة، ولا يستقيمُ عقلاً أن يخرج مذهبٌ فكريّ في ظروفٍ قامت على دينٍ لا يتوفّر على شريعةٍ، وينادي أهل الأديان بإهمالِ شريعتهم المقدّسةِ مقابل قوانين وضعيّةٍ لا تزيد المجتمع إلا أمراضاً وفوضى . -2-
يقول فتزجرالد -3- في كتابه القانون المحمدي : " ليس الإسلام ديناً فحسب -4- ، ولكنّه نظامٌ سياسي أيضا . وعلى الرغم من أنه قد ظهر في العهد الأخير بعض أفراد المسلمين، ممن يصفون أنفسهم بأنهم " عصريّون" -5- يحاولون أن يفصلوا بين الناحيتين، فإن صرح التفكير الإسلامي كله بني على أساس أن الجانبين متلازمان، لا يمكن أن يفصل أحدهما عن الآخر" -6-
فهذا رجلٌ ليس بمسلم ومع ذلك يقرّ هذه الحقيقة حين طالع الإسلام وتصفح مصنّفاته، والعيب كل العيب من أقوامٍ من بني جلدتنا، منحدرون من أوساطٍ مسلمةٍ يصرّحون بالمهلكات والطّامّات التي تنمّ عن جهلٍ كبير مستغرق.
وقد يقولُ قائلٌ أن مفهومَ الشموليّة منقوضٌ بعدم وجود نصوصٍ في ميدان العمران والإدارة والتّنمية، وقوانين المرور وغيرها .. وهو قولُ من لا يدرك مفهوم الشمول، فمن تصفّح نصوص الشريعة سيجد مادّةً كبيرة من التشريعات الكلّية والجزئية، من مسائل المعاملات والأحكام والسياسة الشرعية والاقتصاد وغيره، لكن بالمقابل سيجد القواعد العامّة التي تؤطر وتعطي المجتهد مجالاً واسعاً من الحريّة في استحداث ما يحقق مصالح الشرع والعباد على السواء، وهذا ما يضمن الاستمراريّة والتجديد للشريعة ومن تم صلاحيتها للعباد في كل زمانٍ ومكانٍ .
وكلّ هذا نجده في كتب المتخصصين في أصول الفقه، من قواعد كمراعاة العرف والواقع، وتغيّر بعض الأحكام بتغيّر الزمان والمكان، وفقه الأولويات والمقاصد، ومراعاة الخلاف العالي، والاستصحاب والاستحسان وغيرها ...
كلّ ذلك صادرٌ من رحم الشريعة، لكن أن يصدر من فكرٍ علماني يريد هدم الشريعة وهدرها بقواعد منها، فذلك ما لا تستسيغه العقول والفطر، ولا يوافقه الشرع بالمطلق . فكلّ ذلك من سوء التوظيف، ففرقٌ بين تداوله من طرف المتخصصين في الفقه العدول بما لديهم من علمٍ وخلفيّات فقهيّة وانضباطاتٍ معرفيّةٍ، وبين الجاهلين الغير متخصصين والساعين لخدمة أجنداتٍ غربيّة، وتقويضِ عرى الإسلام !
هوامش المقال
-1- كتاب إعلام الموقعين، 4/385
-2- سيأتي تفصيل ذلك في مقالاتنا التي ستتناول نقض المذاهب الفكريّة .
-3- مستشرق ومتخصص في علم مقارنة الأديان .
-4- يقصد ليس ديناً بمفهوم الغرب للدين المسيحي .
-5- يقصد طائفة منكري السنّة والعلمانيين المسلمين !
-6- نقلاً عن كتاب النظريات السياسية الإسلامية لمحمد الريس، ص : 28.
زجر المفسدين عن ارتكاب الجرائم
من الناس من تؤثر فيه الموعظة البليغة والكلمة الحانية الرقيقة، فيكفُّ عن العصيان وينقلب حاله من غيٍّ إلى رشاد ومن زيغ إلى اهتداء، ومنهم أيضا من لا يزيده اللين إلا إمعاناً في الغيِّ والضلال، وإصراراً على العنف والإجرام، ولهذا وضعت الشريعة مقاييس لكلا الصنفين.
ومن هنا كان "في تطبيق العقوبة الشرعية زجراً للمتهم عن الإقدام على الجريمة مرة أخرى، وذلك يساهم إلى حد كبير في إضعاف وتقليل نسبة الجريمة؛ لأن الحكمة من العقوبات أو الحدود الشرعية هي زجر الناس، وردعهم عن اقتراف الجرائم الموجبة لها، وصيانة المجتمع عن ممارسة ألوان الفساد، والتخلّص من ظاهرة الإجرام بقدر الإمكان" (1).
وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حدٌّ يقام في الأرض خير لهم من أن يمطروا أربعين صباحا). رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان، والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت، انكف الناس أو أكثرهم، أو كثير منهم عن تعاطي المحرمات، وإذا ارتكبت المعاصي كانت سبباً في انمحاق البركات من السماء والأرض.
إن العقوبة ليست وليدة الشريعة الإسلامية بل نصت عليها كل الشرائع السماوية، وعند التأمل في النصوص الخاصة بها في التوراة والإنجيل؛ نجد غايتها واضحة وهي حماية الفضيلة والأخلاق وتحقيق العدالة، حسب مبدأ تساوي العقوبة مع الجريمة.
وقد جاء في التوراة ما يؤكد هذا المبدأ حيث قال تعالى مشيرا إلى ما جاء فيه: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون* وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين} (المائدة: 46-45).
فالمراد من ذلك كله الزجر والردع عن الإقدام على هذه الجرائم الشنعاء، وذلك يتبين من خلال تتبع موارد العقوبات في القرآن الكريم؛ ففي جريمة الزنا أمر الشارع بأن يحضر حال تنفيذ الحد جماعة من المؤمنين، قال الله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} (النور: 2). ولاحِظْ كيف دعا القائمين على إقامة الحد إلى التجرد من العاطفة في قوله: { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله}؛ لأن مفسدة ترك المجرم دون زجر، أعظم من مضرة إقامة الحد نفسه. يقول ابن فرحون المالكي: "يجب أن تكون إقامة الحدود علانية غير سر؛ لينتهي الناس عما حرم الله عليهم" (2).
وفي جريمة السرقة قال جل وعلا: { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} (المائدة:38)، يقول صاحب المنار: "هذا تعليل للحد؛ أي: اقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملهما وكسبهما السيئ، ونكالا وعبرة لغيرهما. فالنكال مأخوذ من النكل، وهو بالكسر قيد الدابة، ونكل عن الشيء: عجز أو امتنع لمانع صرفه عنه، فالنكال هنا: ما ينكل الناس ويمنعهم أن يسرقوا. ولعمر الحق؛ إن قطع اليد الذي يفضح صاحبه طول حياته، ويسمه بميسم الذل والعار هو أجدر العقوبات بمنع السرقة وتأمين الناس على أموالهم، وكذا على أرواحهم؛ لأن الأرواح كثيرا ما تتبع الأموال إذا قاوم أهلها السراق عند العلم بهم" (3).
وفي القصاص يقول جل جلاله: { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}(البقرة: 179)؛ وذلك لأن من أراد القتل وعلم أنه سيُقتل؛ انزجر وذعر، فلم يُقْدِم على جريمته، وبذلك تحقن الدماء وينقمع الأشقياء. وصدقت العرب عندما قالت حكمتها البليغة في جاهليتها الطاغية: "القتل أنفى للقتل".
وقس على ما قيل ما لم يُقل؛ فسائر الحدود الشرعية تحقق من النكاية والزجر ما هو كفيل بكف الناس عن الوقوع في موجباتها.
إن العقوبة في حق المفسدين – بما نحن فيه – لها هدفان اثنان:
الأول: زجر عام (dissuasion générale): حيث يتم ردع من تسول لهم أنفسهم الجريمةَ عن مجرد التفكير في العدوان، خاصة عندما يعلم أن العقوبة في انتظاره إذا ما قارف الحدود، "فيمتنع المجرمون المحتملون أو عدد منهم، عن ارتكاب الجريمة خوفاً من أن تلحقهم مثل العقوبة التي أصابت المجرم فعلاً نتيجة لارتكابه جريمته".(4)
والثاني: زجر خاص (dissuasion specifique): وذلك بأن يكف المعتدي نفسه عن معاودة التفكير في الإقدام على الجريمة؛ لما توقعه به العقوبة من إيلام، وهذا النوع "يقتصر أثره على المجرم الذي وقعت عليه العقوبة فعلا، بحيث تصده العقوبة وألمها وما يترتب عليها من إيذاء مادي ومعنوي له عن العودة مرة أخرى إلى الخروج على القانون".
إن الناظر في تاريخ الإسلام، أيام تطبيق التشريع الجنائي الإسلامي، يفاجأ بقلة الحدود التي أُوقِعت على الجناة، بحيث لم يتجاوز عددها أصابع اليدين، وذلك لأن النظام العقابي في الإسلام كان فعالا في لجم ذوي النزوع الإجرامية عن إيذاء الناس.
وفي المقابل نجد أن نِسَب الجريمة لا تزيد إلا ارتفاعا في المجتمعات الغربية، فقد انعقد مؤتمر الأمم المتحدة الحادي عشر لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين في أبريل 2005م، في وقت يشهد العالم فيه تنامياً وارتفاعاً مضطرداً في معدلات الجريمة، وقد أظهر استقصاء الأمم المتحدة عن ارتفاع معدلات الجريمة بأنواعها كافة على المستوى الدولي خلال الفترة: (1995 - 2000)، خصوصاً جرائم الاعتداء على الإنسان والعنف والمخدرات، وإن هذه الزيادة في استمرار. وفي تصريح لرئيس الندوة الدولية لمكافحة الجريمة والإرهاب الجنرال (أناتولي كوليكوف) قال: إن هناك حوالي (400) ألف جريمة تُرتكب يومياً في العالم، وأن الجريمة قد نمت خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة حوالي (8) ثماني مرات في الولايات المتـحدة الأمريـكية، و(7) سبـع مـرات في بريطانيا والسويد، و (مرتين) في اليابان.
وطبقاً لإحصاءات الجريمة في الولايات المتحدة الأمريكية فإن معدل الجرائم لديها كـان: وقـوع جريمـة سـرقـة عـادية كـل (3) ثـوان، جريمة سطو كل (14) ثانية، سرقة سيارة كل (25) ثانية، سرقة مقترنة بالعنف كل (60) ثانية، جريمة اغتصاب كل (6) ثوان، جريمة قتل كل (31) ثانية. وعلى المستوى المادي؛ تقدر كلفة الجريمة في أمريكا (105) بلايين دولار تنفق في علاج الضحايا و(350) بليون دولار للتعويضات والتأمين و (120) مليون دولار تصرف على الشرطة و (35) بليون دولار تصرف على السجون، وهناك (14) مليون متعاطٍ للمخدرات (5).
وهذا يؤكد نتيجة واحدة؛ هي فشل السياسة العقابية في تلكم المجتمعات، إذا ما قيست بنجاعة منظومة العقاب في التشريعات الجنائية الإسلامية.
من خلال ما سبق؛ يتأسس على ذلك كله نتيجة مفادها أنه إذا طبقت الحدود عَمَّ النفع الأفرادَ والجماعات والدولة، لما في تنفيذها من ردع وزجر وتخويف يُضَيِّق مجال الجريمة ويحد من انتشارها، ولما في إنفاذها من امتثال أمر الله تَعَالَى وإقامة شرعه، { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون} (الأنفال:24). يقول الإمام الماوردي: لقد "جعل الله من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذراً من ألم العقوبة، وخيفةً من نكال الفضيحة؛ ليكون ما حظر من محارمه ممنوعاً، وما أمر به من فروضه متبوعاً، فتكون المصلحة أعم والتكليف أتم"(6).
أ.بدر الدين أراق - إسلام ويب
هوامش المقال
1- الفقه الإسلامي وأدلته، لوهبة الزحيلي: ج7 ص 5313
2- تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، ابن فرحون: ج2 ص 194.
3- تفسير المنار، محمد رشيد رضا: ج4 ص 66.
4- في أصول النظام الجنائي الإسلامي، د. محمد سليم العوا: ص 94.
5- الإجرام العالمي وفشل العقوبات الوضعية، د.أكرم عبد الرزاق المشهداني، مجلة البيان، عدد 223.
6- الأحكام السلطانية، أبو الحسن الماوردي: ص 221.
أثر الشبهات في إسقاط الحدود
إن النظام الإسلامي كلٌّ لا يتجزأ، فكما أنه لا تُفهم حكمة جزئياته التشريعية إلا في ظل دائرتها الأوسع، بحيث ينظر إلى طبيعة نظامه وأصوله ومبادئه، كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملاً ويعمل به جملة واحدة.
ولعل من أهم القيم التي انبنت عليها الشريعة أصولاً وفروعا؛ العدل، ومن هنا نجد الإسلام حريصاً على العدل، حيث يدقق كل التدقيق في وسائل الإثبات لكي يتأكد من وقوع الجرم ونسبته إلى المتهم، فلا يجوز استعمال أساليب الإكراه في استنطاق الضنين، ومن انتزع منه اعترافاً بالإكراه لا يلزمه إقراره، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ليس الرجل بأمين على نفسِه إذا جوَّعتَه أو ضرَبْتَه أو أوثَقْتَه" رواه سعيد بن منصور في سننه. ومن أهم القواعد المقررة في تنزيل مبدأ العدل في التشريعات الجنائية الإسلامية؛ قاعدة: "درء الحدود بالشبهات".
فالشريعة الإسلامية "بقدر ما تشددت في العقوبات التي فرضتها لجرائم الحدود، حرصت على التضييق من نطاق توقيع هذه العقوبات. ويبدو هذا الحرص جلياًّ في الشروط الخاصة للإثبات التي تتطلبها الشريعة الإسلامية، كما يبدو في الندب إلى ستر الذنوب وعدم التطوع بالإبلاغ عنها أو الإقرار بها، فاشترط شاهدين في معظم الجرائم وأربعة شهود في جريمة الزنا، واشترط أن تكون شهادة معاينة لا شهادة سماعية، وأن تكون ألفاظها صريحة وقاطعة في الدلالة على المشهود به، واشتراط عدالة الشهود" (1).
ويعتبر مبدأ درء الحدود بالشبهات من الأصول المهمة في حفظ الحقوق وتحقيق العدالة بين الناس؛ لأن التشريع الجنائي في الإسلام لا يهدف إلى تعذيب الناس والتنكيل بهم، وإنما حفظ أمن الأفراد والمجتمع على الأنفس والأموال والأعراض، في تكامل وانسجام مع غيرِه من التشريعات الوقائية الزجرية بغية إقامة العدل في الأرض، وحفظ النظام الاجتماعي والأخلاقي للمجتمع وضَمانِ استقامة الحياة؛ قال الله تعالى: { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} (البقرة: 179).
ذلكم أن الأصل في الإنسان براءة ذمته؛ أي: تخلُّصها وعدم انشِغالها بحقّ آخَر، فالإنسان قد خلَقه الله عز وجل على الفِطرة السويَّة في اعتقاده، فكان في غير ذلك مِن باب أولى؛ فإذا كان الله عز وجل قد خلَق الإنسان على الفِطرة خالي الصفحة من كل معصيَة أو خطيئة، فهو خاليها أيضًا في كل التزام وحقٍّ حتى يقوم سبب موجِب لذلك (2).
فاليقين أن الإنسان بَريء مما يُنسَب إليه، ولذا لا يصح في ميزان ذوي العقول السليمة أن يستبدل اليقين الأصلي بشك طارئ، روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالَهم؛ ولكن اليمين على المُدَّعى عليه) متفق عليه.
فالمتهم في الإسلام بريء حتى تثبت إدانته، فلا يجوز إنفاذ الحكم إلا بعد أن يبلغ القاضي درجة اليقين أو ما يقاربه في إثبات الجريمة، ونجد هذه القاعدة حاضرةً بقوة من خلال الآثار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ادْرَءُوا الحُدودَ عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج، فخلّوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة) رواه الترمذي.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادفعوا الحدَّ ما وجدتم له مدفعا) رواه ابن ماجه.
ومن نبع مشكاة النبوة الفيّاض ارتشف الصحبُ الكرام، فجاءت أقوالُهم كالظل من صاحبه، حيث يقول الفاروق عمـر رضي الله عنه: "لأن أعطل الحدود بالشبهات، أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات" أخرجه عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة، وعن عمرو بن شعيبعن أبيٍّ أن معاذاً وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر رضي الله عنهم قالوا: "إذا اشتبه عليك الحد فادرأه" أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "ليس الحد إلا في الكلمة التي ليس لها مصرف – أي كلمة لا تحتمل التأويل – وليس لها إلا وجه واحد".
وقد اتفقت كلمة جمهور علماء الشريعة على الأخذ بقاعدة (درء الحدود بالشبهات)، ورتبوا على ذلك أحكاماً مفصلةً لكل حدٍ من الحدود السبعة، و بنوا قاعدتهم هذه وتقبُّلَهم للعمل بها على الأدلةِ التي أوردناها آنفا.
وأوردوا عليهم رحمة الله أنواعا عديدة للشبهات التي تدرأ بها الحدود (3) ، نذكر منها:
- شبهة في تحقق الركن: فمتى ما كانت الشبهة قائمة في ركن من هذه الأركان؛ فإن المتهم يبرأ من الجناية المنسوبة إليه، مثاله أن يجامع الرجل غير زوجته لاعتقاده أنها حليلته، فإن الحد يسقط عنه؛ لانعدام ركن من أركان جريمة الزنا، وهو تحقق القصد الجنائي.
- شبهة في الدليل: فقد قرر الفقهاء بالنسبة لشبهة الدليل قاعدة فقهية فاصلة في هذه الشبهة وهي قولهم: "إنّ كل فعل يختلف فيه الفقهاء حِلاً وتحريماً فإن الاختلاف شبهة تمنع إقامة الحد"(4).
يقول ابن قدامة: "ولا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه كنكاح المتعة والشغار والتحليل، والنكاح بلا ولي ولا شهود ونكاح الأخت في عدة الرابعة البائن، ونكاح المجوسية، وهذا قول أكثر أهل العلم؛ لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، ولقد قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهة" (5).
ومن هنا كان لثبوت الشبهة أثر في عدم تحقق الركن، وهو كون الفعل الذي قام به محرما شرعا من غير شبهة تمنع الحد.
- شبهة الملك: فمثلا إذا سرق الأب مال ابنه، وثبتت عليه التهمة بثبوت الأركان جميعها يسقط عنه حد القطع؛ لأن الشريعة جعلته مالكا حقيقيا لمال ولده، وأعطته الحق في تملكه متى شاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك) رواه أحمد ، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم. ولذلك اعتبر ذلك شبهة أسقطت حد السرقة عن الأب.
- شبهة الحق: تتحقق هذه الشبهة إذا كان للشخص نوع حق فيما أقدم عليه، ولكن هذا الحـق لا يصـلح سبباً للإباحة، إلا أنه يصلح أن يكون شبهة تدرأ الحد. ومن أمثلة ذلك: سرقة الزوج زوجته، أو سرقة الزوجة زوجها، أو من ذي الرحم المحرم غير الآباء ... ولا يعني هذا أن الشارع أحل هذا الفعل بل حرمه ومنعه، لكنه أقامه مقام شبهة تُسقط الحد.
يبقى أن ننبه إلى أمر ربما تبادر إلى الذهن من خلال عرض أنواع الشبهة المسقطة للحدود، وهو اعتراض قد يطرحه البعض: إذا ما أعملنا هذه القاعدة فإننا سنفتح المجال لتملص المجرمين من العقوبة؟!
وجوابه أن درء الحدود بالشبهات لا يعني التهاون بها أو المماطلة في إقامتها، كما لا يعني أيضا إعطاء الجاني فرصةً للتملّص من العقاب وهو يستحقه، إنما يعني ذلك أن لا يقام حد إلا بعد ثبوته قطعيا، بحيث لا تبقى فيه أي شائبة من شك أو اشتباه، حتى لا يعاقب الناس بالظنة، ولا يُؤخذ من لديه عذر مقنع بجعل الحد غير مناسب له، وإنما المناسب له عقوبة أخف من الحد.
وهذا ما يجعل القضاء في الإسلام ينبني على الظن الراجح إن لم يكن اليقين الجازم، ولا يبقى رهين الأخيلة أو الظنون، لذا نجد التعليل النبوي واضحا في الحديث الذي أوردناه أعلاه: (فإن الإمام أن يخطئ في العفو، خير من أن يخطئ في العقوبة).
أ.بدر الدين أراق – إسلام ويب
هوامش المقال
1- في أصول النظام الجنائي الإسلامي، محمد سليم العوا: ص 119 – 120.
2- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام: ج 2، ص 52.
3- لم يُعن الفقهاء بتصنيف الشبهات وبيان تقاسيمها، بقدر ما عنوا ببيان التطبيقات الجزئية لهذه الشبهات، إلا ما كان من فقهاء الحنفية الذين اهتموا بتصنيف الشبهات تصنيفًا محددًا، وتبعهم في ذلك أيضًا فقهاء الشافعية. وقد دمجنا تقسيمات فقهاء المذهبين للشبهة، عملا بقاعدة: الجمع أولى من الترجيح.
4- العقوبة، محمد أبو زهرة: ص 201.
5- المغني، ابن قدامة المقدسي: ج10 ص 155.
الاشتراك في:
الرسائل
(
Atom
)












