إظهار الرسائل ذات التسميات جوامع الكلام. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات جوامع الكلام. إظهار كافة الرسائل
الثلاثاء، 11 أغسطس 2015
يحتفي كل منا بمن يفِدُ إليه من سفر أو مسافة بعيدة، وأسوتنا في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يُكرم الوفود ويحتفي بهم، حتى إنه أوصى عند موته بذلك، فقال - صلوات ربي وسلامه عليه - : (وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به) أي أعطوهم وأكرموهم، تطييباً لنفوسهم وإعانة لهم على سفرهم، وترغيباً لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم.
عظَم الجزاء مع عِظَم البلاء
يوقن العبد المؤمن أن الأمور كلها بيد الله عز وجل ومشيئته، ولكن هذا اليقين قد يتزعزع ويضعُف عند وقوع البلايا والمحن، فإذا علم العبد أن الجزاء يعظُم على قدر عظم البلاء، وأن ذلك علامة على حب الله تعالى للعبد، فلن يتزعزع ذلك اليقين أبدا.
وفي حديث عظيم من جوامع كلم النبي - صلى الله عليه وسلم -، يحث فيه على الصبر والرضا بما يقدِّره الله جل وعلا من البلاء، يقول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي يرويه عنه أنس بن مالك - رضي الله عنه - : (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) رواه الترمذيوحسنه.
هذا الحديث العظيم فيه ترضية للمصابين، وتخفيف على المبتلين، وتسلية للصابرين، حيث يقرر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كلما عظُم البلاء عظُم الجزاء، فالبلاء السهل له أجر يسير، والبلاء الشديد له أجر كبير، وهذا من فضل الله جل وعلا على عباده، أنه إذا ابتلاهم بالشدائد أعطاهم عليها الأجر الكبير، وإذا هانت المصائب هان الأجر، كما أن نزول المصائب والبلايا بالإنسان دليل على حب الله له، فإذا رضي الإنسان وصبر واحتسب فله الرضى وإن سخط فله السخط، وفي هذا حث على الصبر على المصائب، حتى يُكتب للعبد رضا الله جل وعلا.
عظم الجزاء مع عظم البلاء
لا بد لكل إنسان من بلوى، فمبتلى في سبيل الشيطان، ومبتلى في سبيل الله، يقول الله تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} (النساء: 104)، والصبر سبب لرفع الدرجات وتكفير السيئات، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: 10)، قال سليمان بن القاسم: كل عمل يُعرف ثوابه إلا الصبر، وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) رواه البخاري.
يقول الشاعر:
والصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته *** لكن عواقبه أحلى من العسل
فإذا علم العبد أن ذلك المرض أو البلاء سيكون سببا في رفعة درجته وزيادة ثوابه، هان عليه ما يجده من مشقة وعناء وألم، وصار راضيا بقضاء الله تعالى وقدره، محتسبا أجره عند الله جل وعلا.
إذا أحب الله قوما ابتلاهم
قد يظن البعض أن نزول البلاء علامة على غضب الله تعالى على العبد ، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى ذلك، وجعل البلاء علامة على حب الله تعالى، بل هو خيرٌ للمؤمن من أن يُدَّخر له العقاب في الآخرة، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة) رواه الترمذي وصححه.
وقال الحسن البصري - رحمه الله - : "لا تكرهوا البلايا الواقعة والنقمات الحادثة، فَلَرُبَّ أمرٍ تكرهه فيه نجاتك، ولَرُبَّ أمرٍ تؤثره فيه عطبك" أي: هلاكك، وقال الفضل بن سهل: "إن في العلل لنعَماً لا ينبغي للعاقل أن يجهلها، فهي تمحيص للذنوب، وتعرّض لثواب الصبر، وإيقاظ من الغفلة، وتذكير بالنعمة في حال الصحة، واستدعاء للتوبة، وحضّ على الصدقة".
والمؤمن يبحث في البلاء عن الأجر، ولا سبيل إليه إلاَّ بالصبر، ولا سبيل إلى الصبر إلاَّ بعزيمةٍ إيمانيةٍ وإرادةٍ قوية، وليتذكر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) رواه مسلم.
فمن رضي فله الرضا
المقصود من الحديث الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه لا الترغيب في طلبه، فعن رجل من بني سليم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله ليبتلي العبد فيما أعطاه فإن رضي بما قسم له بورك له ووسّعه، وإن لم يرضَ لم يبارك له ولم يُزد على ما كُتِبَ لهُ) رواهأحمد والبيهقي.
يقول الإمام السندي: "قوله (فمن رضي فله الرضا) أي رضا الله تعالى عنه، جزاء لرضاه أو فله جزاء رضاه، وكذا قوله (فله السخط)، ثم الظاهر أنه تفصيل لمطلق المبتلين لا لمن أحبهم فابتلاهم؛ إذ الظاهر أنه تعالى يوفقهم للرضا فلا يسخط منهم أحد".
ولذا ينبغي على المسلم إذا أصابته مصيبة أن يسترجع ويدعو بما ورد، وما أجمل تلك اللحظات التي يفر فيها العبد إلى ربه تعالى ويعلم أنه وحده هو مفرج الكرب، وما أعظم الفرحة إذا نزل الفرج بعد الشدة، قال تعالى: {وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة: 155-157).
إنما الدنيا لأربعة نفر
ينقسم الناس في تعاطيهم مع أمور الدنيا إلى أحوالٍ أربعة، لخَّصها النبي الكريم - صلوات ربي وسلامه عليه - في حديث عظيم من جوامع كلمه، فعن أبي كبشة الأنماري - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (أحدثكم حديثا فاحفظوه: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصِلُ فيه رحمه ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يخبِط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هذا الحديث الجامع لأنواع الناس وأحوالهم تجاه ما ينعم الله به عليهم في الدنيا، يستهله - صلى الله عليه وسلم - بكلمات تبعث على الاهتمام بما سيُقال، وتجعل السامعين يتطلعون لما سيذكره، حيث قال: (أحدثكم حديثا فاحفظوه)؛ ولذا ينبغي على دعاة الخير فعل ذلك في المواضع المهمة التي تستلزم الرعاية والعناية.
ثم يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنما الدنيا لأربعة نفر): أي إنما حال أهلها حال أربعة، اثنان عاملان، واثنان تبع لهما، فالثاني تبع للأول، والرابع تبع للثالث، وقد ذكر الدنيا - رغم أنها تشمل الدنيا والآخرة كما سيأتي - ليصبِّر الناس على طلب العلم، ويخبرهم أن العلم يجلب خيري الدنيا والآخرة، وأيضا فإن من طلب الدنيا بالعلم نال الدنيا وحازها، فالعلماء سلاطين غير متوّجين، والعامة تخضع لهم أكثر من خضوعهم للسلطان؛ لأن العلماء يملكون سلطان الحجة الذي يخضع له القلب، بينما السلاطين لا يملكون إلا سلطان اليد؛ الذي قد لا يخضع البعض له، وعلى كل حال فالناس لا يخرجون عن أحوال أربعة:
الأولى: عالم غني (عبد رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل)، يتخيّر الله تعالى من يرزقه المال أو من يرزقه العلم أو من يرزقه العلم والمال معا، فإذا رُزق العبد العلم والمال معا كانت تلك أفضل منزلة، وذلك لاقتران العلم بالعمل، لأنه سيعمل في ماله بعلمه.
وقد حثنا الله جل وعلا على العمل بالعلم، وذم من لا يعمل بعلمه، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (الصف: 2-3)، وفي صحيح مسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه , وأنهى عن المنكر وآتيه)، وسُئل سفيان الثوري: طلب العلم أحب إليك أو العمل؟ فقال: "إنما يراد العلم للعمل, فلا تدع طلب العلم للعمل, ولا تدع العمل لطلب العلم".
وقد دلت عبارة النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن بركة المال لا تكون إلا إذا أُنفق بشرطين: العلم بما ينفق من أبواب الخير، والإخلاص، وهذان شرطا العبادة: الإخلاص لله، وأن يكون العمل على بصيرة وعلم.
كما دلت العبارة على أن صلة الرحم من أعظم القربات، وأن من أسباب تقوية صلة الرحم: العون المادي، فقد يكون قريبك فقيرا فإعطاؤك له مما أعطاك الله يزيد الأواصر، كما أن طلبة العلم الفقراء هم أولى الناس بالعون، إذا كانوا غير قادرين لأن نفعهم يتعدى، وعلى دعاة الخير أن يكونوا أسبق الناس في هذا الأمر، ورحم العلم أبلغ من رحم القرابة.
كما ينبغي على العالم تعليم العلم وبذله لمن يستحقه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلِّد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب) رواه ابن ماجة في سننه.
الثانية: عالم فقير (وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء) ينفع الله تعالى بصاحب العلم أكثر مما ينفع بصاحب المال، لأن العلم غذاء للقلوب والأرواح، والمال غذاء للأبدان، وغذاء القلوب أعظم من غذاء البطون، وإذا صدق الإنسان في نيته فإن الله يثيبه على ذلك، ويكتب له الأجر كما لو فعل، وذلك أن النية الصادقة سبب في حصول الأجر وهي شرط لصحة الأعمال، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) متفق عليه، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: سمعت رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول في غزوة تبوك بعد أن رجعنا: (إن بالمدينة لأقواما ما سرتم مسيرا ولا هبطتم واديا إلا وهم معكم، حبسهم المرض) رواه الإمامأحمد، وكما أن النية تجعل المرء يحصل على أجر العمل إذا حيل بينه وبين العمل، فإنها أيضا تجعل العمل كبيرا وإن كان صغيرا، يقول عبد الله بن المبارك: "رُبّ عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية"، وقال سفيان الثوري: "كانوا يتعلمون النية للعمل، كما تتعلمون العمل".
فهذا الرجل تمنى أن يكون له مال كمال الأول وعلم كعلمه, حتى يؤدي حق الله فيهما, ولذا أُجِرَ على هذه النية الصالحة, قال يحيى بن أبي كثير: "تعلموا النية، فإنها أبلغ من العمل".
الثالثة: غني جاهل (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل)، وقد جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من أشر الناس لأنه سفيه لا يحسن التصرف في المال فيبدده ويضيعه, وقد نهى الإسلام عن إعطاء السفهاء الأموال, وأجاز الحجر على مال السفيه، قال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا} (النساء: 5)، وكذا حرم الإسلام تبذير المال وإضاعته, قال تعالى: {وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا * إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا} (الإسراء: 26-27)، وأوجه كثرة الإنفاق ثلاثة:
أولها: إنفاقه في الوجوه المذمومة شرعاً، فلا شك في منعه، وهو المقصود معنا في هذا النوع (لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله حقا).
وثانيها: إنفاقه في الوجوه المحمودة شرعاً، فلا شك في كونه مطلوباً بالشرط المذكور في الحديث (يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا).
وثالثها: إنفاقه في المباحات بالأصالة، كملاذّ النفس فهذا ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإسراف، والثاني: ما لا يليق به عرفاً، وهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما ما يكون لدفع مفسدة ناجزة أو متوقعة فهذا ليس بإسراف، والثاني ما لا يكون في شيء من ذلك، فالراجح أنه إسراف.
وزعيم هذه الطائفة المذمومة من الناس (قارون)، فقد آتاه الله مالاً ولم يؤته علما، قال الله عنه: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين} (القصص: 76-77).
الرابعة: فقير جاهل (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء) دائما ما تكون سوء النية سبباً في حصول الوزر، فهذا الرجل وقع بجهله في سوء النية، فتمنى أن يكون له مالٌ مثل مال هذا الرجل الذي يخبط في ماله بغير علم, فلا يؤدي حق الله تعالى فيه؛ ولذا تحمَّل وزرًا على هذه النية السيئة، وليس هذا بظلم له، لأن الله تعالى علم من نيته أنه لو أُعطِي مثل صاحبه لأفسد وفسق، وأيضا لكونه لم يأخذ بالأسباب الموصلة للعلم ورفع الجهالة عن نفسه، نسأل الله أن يعافينا من ذلك، وأن يرزقنا النية الصالحة والعلم النافع والعمل الصالح.
حديث الخصال الخمس
لم يترك نبينا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - شيئًا ينفع أمته إلا ودلهم عليه، ولم يترك شرًّا إلا وحذرهم منه، وفي حديثٍ جامعٍ لأسباب هلاك الأمم وزوالها، يحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته وينذرها من خمس خصال مهلكة، فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: أقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) رواه ابن ماجه في سننه.
هذا الحديث العظيم الجامع يتضمن أوصافاً خمسة أو خصالاً خمس، إذا وقعت فيها الأمة، أتاها العذاب من الله سبحانه وتعالى معجلاً في الدنيا، بخلاف ما ينتظرها في الآخرة من الوعيد.
الخصلة الأولى: (لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا)، حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من خطر ارتكاب الفاحشة وإظهارها والتمادي فيها، لأن ذلك ينتج عنه انتشار الطاعون والأمراض الفتاكة التي لم يسبق ظهورها في أسلافنا من الأمم، وقد ظهر تصديق ذلك بظهور طاعون العصر (الإيدز) والأمراض الجنسية الفتاكة، نتيجة ممارسة العلاقات المحرمة من زنا ولواط وغير ذلك.
وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنهجٍ لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها، وإنما ينظمها ويطهرها، ويرفعها عن المستوى الحيواني والبهيمي، ويرقِّيها إلى أسمى المشاعر والعواطف، التي تليق بالإنسان كإنسان، ويقيم العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس من المشاعر النبيلة الرقيقة الراقية الطاهرة، يقول سبحانه وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21).
ويهيئ ذلك المنهج المناخ الطاهر النظيف ليتنفس المسلم في جو اجتماعي طاهر نقي يتفق مع الفطرة السوية، بل ويحدد كثيراً من الضمانات الوقائية التي تحمي المجتمع المسلم من الوقوع في مستنقع الرذيلة الآسن العفن؛ ثم يعاقب بعد ذلك من ترك هذه الضمانات طائعاً مختاراً، وراح يتمرغ في وحل الرذيلة والفاحشة ليعيث في الأرض الفساد، وهذا هو قمة الخير للإنسانية كلها، لتعيش الجماعة كلها في هدوء وأمان.
ولنا في قوم لوط عبرة وعظة، فقد عاقبهم الله تعالى أشد العقاب، لاتنكاس فطرتهم وخروجهم عن المنهج الذي أمرهم به نبي الله لوط - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام -، قال الله تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} (النمل: 54)، فكانت النتيجة {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} (الحجر: 74).
الخصلة الثانية: (ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم) يحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من التلاعب بالمكيال والميزان، الذي توعّد الله فاعله بالويل والهلاك ، قال تعالى: {ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} (المطففين: 1-3)، فإذا انتشر ذلك في الأمة، فإنها تعاقب بعقوبات ثلاث:
أولها: منع المطر أو ندرته فتصاب الأرض بالقحط، وإذا أنبتت الأرض فإن الله يبتليهم بالحشرات والديدان والأوبئة التي تهلك الزروع والثمار .
وثانيها: شدة المؤونة، ويكون ذلك بغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وضيق العيش.
وثالثها: أن يسلط الله عليهم الحاكم الذي يجور عليهم، ويفرض الضرائب الباهظة، ويكلفهم من الأشياء ما لا قدرة لهم عليه.
الخصلة الثالثة: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا) يشير النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن منع الزكاة وعدم إخراجها أو التحايل على ذلك، تكون عقوبته العاجلة هي منع القطر عنهم، ولولا وجود البهائم ما نزل عليهم المطر من السماء؛ لأنهم لا يستحقونه، لكونهم لم يُخرجوا حق الفقراء في مالهم.
وهذا يوضح سبب الجدب الذي ضرب أطنابه في الأرض، رغم أن الناس يستسقون ويستغيثون الله عز وجل ويطلبون منه المطر، وما ذاك إلا لأن الناس صاروا يتهاونون في إخراج زكاة أموالهم، وحينما يبخل الناس بالزكاة فإن الله تعالى يمنع عنهم المطر، الذي هو وسيلة لحياتهم، ولولا رحمة الله عز وجل بالبهائم ما أُمطِرت الأرض أبداً.
الخصلة الرابعة: (ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم) وفيها تحذير من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته من نقض العهد والميثاق، وعاقبة ذلك أن الله يسلط عليهم عدوًّا من غير المسلمين، فيأخذون بلاد المسلمين، أو يتحكمون في مقدرات بلاد المسلمين وثرواتهم.
ولا يقتصر الأمر في ذلك على نقض العهود والمواثيق بين الناس، بل يدخل فيه ترك ما أمر الله عز وجل به وارتكاب ما نهى الله عنه.
الخصلة الخامسة: (وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) أي: إذا لم يحكموا بحكم الله سبحانه وتعالى، ويأخذون الخير من كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا جعل الله الشقاق والعداوة والتنافر بينهم.
ولذلك فإن من يحاول لمَّ شتات العالم الإسلامي بغير كلمة التوحيد فإنما يحاول مستحيلاً؛ لأن هذه الأمة لن تجتمع إلا على دين الحق، ولن تتوحد إلا على كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، يقول الله تعالى: {فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة: 137)، وهذا الشقاق سيبقى ما بقي الإعراض عن دين الله عز وجل وتحكيم شريعته، حتى يرجع الناس إلى دين ربهم جل وعلا.
الغنى غنى النفس
تتنوع الوسائل المؤدية للثراء الدنيوي، وتتعدد الطرق الموصلة للغنى المادي، ولكنها تتفق جميعا في أن سالك طريقها لن يكتفي أو يقف عند حد معين؛ فلو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.
ومع حديث عظيم من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، يصحح المفاهيم ويرسم معالم المنهج المؤدي للغنى الحقيقي، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) متفق عليه.
فضل القناعة والحث عليها
بوّب الإمام النووي - رحمه الله - لهذا الحديث: "باب فضل القناعة والحث عليها"، فنبينا - صلى الله عليه وسلم - يقرر في هذا الحديث العظيم أن الغنى الحقيقي المعتبر يكون باستغناء النفس وعدم حرصها على الدنيا، وليس بكثرة المال والمتاع، ولهذا ترى كثيرًا من الأغنياء والموسرين فقير النفس مجتهدا في الزيادة، فهو لشدة شرهه وشدة حرصه على جمعه كأنه فقير، وأما غني النفس فهو راضٍ بقضاء الله، عالماً أن ما عند الله لا ينفد.
الشِّق الأول من الحديث فيه تصحيح للمفاهيم: (ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض): أي أن الممدوح في الشرع المرضي عند الله سبحانه وتعالى، المعدّ لثواب الآخرة ليس بكثرة العرض وهو ما يُنتفع به من متاع الدنيا وحطامها، فليس حقيقة الغنى كثرة المال، لأن كثيراً ممن وسع عليه لا ينتفع بما أوتي، جاهد في الازدياد لا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير من شدة حرصه .
وأما الشِّق الثاني ففيه بيانٌ للمنهج الصحيح: (ولكنّ الغنى غنى النفس): أي أن حقيقة الغنى أن يستغنى العبد بما أوتي ويقنع بما قسم الله له، ويرضى بما أعطاه الله، فيعيش سعيد القلب هانئ البال .
استغناء النفس عن المطامع عِزَّة
يقول الإمام القرطبي: "إن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس، وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع فعزت وعظمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه، فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله، ويكثر من يذمه من الناس، ويصغر قدره عندهم، فيكون أحقر من كل حقير وأذل من كل ذليل.
والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعا بما رزقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة، ولا يلح في الطلب، ولا يلحف في السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واجدٌ أبداً، والمتصف بفقر النفس على الضد منه؛ لكونه لا يقنع بما أُعطي، بل هو أبدًا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه، ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف، فكأنه فقير من المال، لأنه لم يستغن بما أُعطي فكأنه ليس بغني، ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره، علما بأن الذي عند الله خير وأبقى، فهو مُعرض عن الحرص والطلب".
وما أحسن قول الشاعر:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافـة فـقر فـالـذي فـعل الـفـقـر.
انظر إلى من أنت فوقه
إذا نظر الإنسان إلى من هو أغنى منه، فقد يدفعه ذلك إلى ازدراء نعمة الله عليه؛ ولذا نُهينا عن التطلع لما في أيدي الناس في أمور الدنيا، قال الله تعالى: {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (طـه: 131).
وقال - صلى الله عليه وسلم - : (وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس) رواه الإمام أحمد ، أي: اقنع بما أعطاك الله، وجعله حظك من الرزق، تكن أغنى الناس، فإن من قنع استغنى، ويقول أيضا - صلوات ربي وسلامه عليه - : (من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) رواه الترمذي وحسنه.
وإذا رأيت من هو أكثر منك مالاً وولدًا فاعلم أن هناك من أنت أكثر منه مالاً وولدًا فانظر إلى من أنت فوقه، ولا تنظر إلى من هو فوقك، وإلى هذا أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) رواه مسلم.
وكان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نقله عنه أنس بن مالك - رضي الله عنه - : (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يُسمع، ونفس لا تشبع، ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من هؤلاء الأربع) رواه النسائي، قال الإمام النووي - رحمه الله - عن قوله: (ونفس لا تشبع): "استعاذة من الحرص والطمع والشَّرَه، وتعلق النفس بالآمال البعيدة" .
استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع
روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: لاَ أَقُولُ لَكُمْ إِلاَّ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ، كَانَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَابُ لَهَا)، وروى الإمام الترمذي في جامعه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من أربع، وكان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، ونداء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع).
لا شك أن العلم النافع هو العلم الذي ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة، ومن علامات ذلك: أن يزهّده في التعلق بأحبال الدنيا، ويرغَّبه في الآخرة، ويحثه على طاعة الله تعالى وتقواه، ويبعد عنه أنواع الهموم والكَدَرِ، ولهذا ينبغي على المسلم أن يقصد من تعلّم العلم الأجر والثواب من الله تعالى، الأجر المترتب على تعلّم العلم وتعليمه، فمن تعلّم علماً من علوم الشرع فينبغي أن يعمل به، لأن الثمرة الحقيقية من العلم هي العمل، فالعالم الذي لا يعمل بما عنده من علمٍ، ولا يأتمر بأوامر الله تعالى، ولا ينتهي عن نواهيه ليس بعالم، وما يحمله من علم إنما هي مجرد معلومات، مثالها كمثال الشجرة التي لا تثمر، ذلك أن تحصيلَ العلوم إنما هو للانتفاع بها، فإذا لم يُنتفع به يكون وبالاً، ولذلك استعاذ منه صلى الله عليه وسلم.
أهمية طلب العلم
تكمن فائدة أي علم في العمل به، وحول هذا المعنى جاء عند الإمام الدارمي في مسنده من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: (تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله) فإن العلمَ بدون العمل يكون حسرةً على صاحبه يوم القيامة، فالمسلم عندما يتعلَّم العلم ويعمل به فإن أعماله وعباداته تكون على بصيرة، أما إذا لم يعمل بما تعلّمه من علمٍ، فإن عِلمه يكون حجةً عليه، لا حجةً له، وقد يكون الجاهل أحسن منه حالاً، فلا يستوي العاصي الجاهل مع العاصي العالم، وقد نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن سفيان الثوري قوله: أولُ العلم الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر.
في هذا الحديث حثٌّ للأمة وتعليمٌ للمسلمين على اختيار وتعلم العلم النافع، ذلك أن معنى (علمٍ لا ينفع) أي: لا نفع فيه لصاحبه ولا لغيره، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهو العلم الذي لا يقترن به التقوى، وهو العلم لا يعمل به صاحبُه ولا يُعلّمه، هو العلم الذي لا يُساهم في تحسين أخلاق صاحبه وأقواله وأفعاله، هو العلم الذي لا يُحتاج إليه، ولا يوجد إذنٌ شرعيٌّ في تعلّمه، ولا تصل بركته إلى قلب صاحبه، ومثل عليه بعض العلماء بعلم النجوم أو الفلسفة أو السحر.
وينبغي على المسلم أن يتعوذ من كل علم لا ينفع؛ لأنه سيكون وبالاً على صاحبه، فإذا ترك المسلم ما أمر الله به وهو عالمٌ بحكمه، أو ارتكب ما نهاه الله عنه بعد أن بلغه النهي وعرفه، فهو ليس بعالمٍ، فإن العلم هو الخشية، فالذي يحمله الفسّاق والزنادقة والمنافقين من علوم الشرع ليس بعلم، وإن سماه الناس علماً، قال صلى الله عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عُدوله) أي إنما يحمل العلمَ الشرعي العدولُ من الناس، فإن من طلب العلم ليجاري به العلماء أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار. إنما العلم النافع هو الذي يزيد في الخوف من الله تعالى، ويُنقص من الرغبة في الدنيا، وكل علم شرعي لا يوصل صاحبه إلى الإيمان بالله تعالى وحسن التوكل عليه، وزيادة الاهتمام بالآخرة، وترك التعلق بالدنيا فالجهل أفضل منه، وهو علم لا ينفع.
وقد يحتمل أن يكون هذا العلم نافعاً في نفسه وذاته، ولكن صاحبه لم ينتفع به، كالذي أتاه الله آياته فانسلخ منها، ومن هنا فقد تكون الاستعاذة من ميل النفس وحبها في تعلم أنماط هذه العلوم، التي لا تنفع، وقد تكون الاستعاذة متوجهة إلى النوع المقيد منه في قوله: أعوذ بك من عدم الانتفاع بالعلم. قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار: "إنما قيد العلم بالنافع، والرزق بالطيب، والعمل بالمتقبل، لأن كلّ علمٍ لا ينفع فليس من عمل الآخرة، وربما كان ذرائع الشقاوة"، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من علم لا ينفع، وكل رزق غير طيب موقعٌ في ورطة العقاب، وكل عمل غير متقبل إتعابٌ للنفس في غير طائل، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ورزق لا يطيب، وعمل لا يتقبل.
ونقل صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ عن أبي طَالِب الْمَكِّيِّ قال: قَدْ اِسْتَعَاذَ صلى الله عليه وسلم مِنْ نَوْع مِنْ الْعُلُوم كَمَا اِسْتَعَاذَ مِنْ الشِّرْك وَالنِّفَاق وَسُوء الْأَخْلَاق، وَالْعِلْم الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ التَّقْوَى فَهُوَ بَاب مِنْ أَبْوَاب الدُّنْيَا وَنَوْع مِنْ أَنْوَاع الْهَوَى، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: اِعْلَمْ أَنَّ فِي كُلّ مِنْ الْقَرَائِن الْأَرْبَع مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ وُجُودَهُ مَبْنِيّ عَلَى غَايَته وَأَنَّ الْغَرَض مِنْهُ تِلْكَ الْغَايَة وَذَلِكَ أَنَّ تَحْصِيل الْعُلُوم إِنَّمَا هُوَ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا، فَإِذَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ لَمْ يَخْلُص مِنْهُ كَفَافًا بَلْ يَكُونُ وَبَالًا، وَلِذَلِكَ اِسْتَعَاذَ.
ويمكن أن نحصي من أنواع العلوم التي لا تنفع تلك العلوم التي ليس لها ثمرة، فاليهود زمن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل المثال كانوا يعلمون أن محمداً هو رسول الله، ولكن علمهم هذا لم ينفعهم حيث لم يعملوا بمقتضى الشهادتين، وإن كانوا يزعمون أنهم مؤمنون بالله، فلا ينفعهم إيمانهم بالله حتى يؤمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم، فلا تُقبل إحدى الشهادتين دون الأخرى، فمن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم تُقبل منه هذه الشهادة.
ومن أهم مظاهر أو صفات العلم الذي لا ينفع أن تجد صاحبه يطلب الفخر والرفعة، والمنافسة في الدنيا، ويطلب مباهاة العلماء ومماراة السفهاء، ويسعى إلى صرف وجوه الناس إليه، وعدم قبول الحق والانقياد إليه، فليس العلم بكثرة الكلام أو إجادته، ولكنه نورٌ يُقذف في القلب، يميز به المسلم بين الحق والباطل.
أهم مواصفات العلماء من أهل العلم النافع
لا يحبون المدح ولا يسعدون به، ولا يتكبرون على الناس بعلمهم، ولا يحرصون على الوصول بعلمهم إلى أي من مناصب الدنيا، فإن حصل لهم من ذلك شيء، لا يغيرهم عن مقصدهم أو أهدافهم، التي تكمن في طلب رضا الله سبحانه والفوز بجنته والنجاة من ناره، وذلك الفوز العظيم، فالعلم النافع هو العلم الذي يتعلمه صاحبه ليرفع الجهل عن نفسه أولاً، ثم عن غيره ثانياً، ويعمل به ويعلّمه، أما إذا تعلم العلم من أجل الرياء والسمعة، أو من أجل أن يماري به السفهاء ويباهي به العلماء، فإنه على خطرٍ عظيم، وقد جاء الوعيد الشديد في حقه كما جاء في العديد من الأحاديث النبوية الشريفة.
ويعرف العلم النافع بدلالته على أمرين:
- تعظيم اللَه تعالى وإجلاله وخشيته وحسن التوكل عليه، والرضا بقضائه والصبر على بلائه.
- اتباع ما يحبه الله سبحانه تعالى ويرضاه من الاعتقادات والأقوال والأعمال.
فإذا أثمر العلم لصاحبه فهو علم نافع، فمتى كان العلم نافعاً ووقر في القلب أدى إلى خشوع القلب للَّه وانكساره له سبحانه، وذلّ هيبة وإجلالاً وخشية ومحبة وتعظيماً، ومن فاته ذلك وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم، وصار علمه وبالاً وحجةً عليه، فلم ينتفع به.
قال ابن عطاء اللّه السكندري في الحِكم: "العلمُ النافعُ هو الذي يَنْبَسِط في الصدر شعاعُه، ويُكْشَفُ به عن القلبِ قناعُه، خَيرُ العلم ما كانت الخشيةُ مَعَه؛ والعلم إن قارَنَتْهُ الخشيةُ فَلَكَ؛ وإلا؛ فَعَلَيْكَ". يعني أن العلم النافع هو ما كان صاحبه ملازماً للخشية، وهي خوف مع إجلال ينشأ عنه العمل، وقد أثنى الله تعالى على العلماء بذلك فقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} (فاطر: 28)، وأما العالم الذي لا خشية معه فليس عالماً على الحقيقة، خصوصاً إذا كان همه الجمع والادخار والمباهاة والاستكبار، فإن علم هذا حجةٌ عليه وسببٌ في جر وبال العقوبة إليه، لأنه لا يكون من ورثة الأنبياء إلا إذا كان بصفة المورث عنه من الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة وتمكن التقوى منه.
إن لك ما احتسبت
يستطيع المؤمن أن يجعل لكل ثانية من عمره ثوابًا وأجرًا، وأن يجعل كل عمل من أعماله فضيلةً وبرًّا، إذا احتسب ذلك عند الله جل وعلا، فعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: كان رجل من الأنصار بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تُخطئه الصلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فتوجعنا له، فقلت له: يا فلان لو أنك اشتريت حمارا يقيك من الرمضاء ويقيك من هوام الأرض، قال: أما والله ما أحب أن بيتي مطَّنَبٌ ببيت محمد - صلى الله عليه وسلم -، قال: فحمَلتُ به حِملا حتى أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، قال فدعاه، فقال له مثل ذلك وذكر له أنه يرجو في أثره الأجر، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن لك ما احتسبت ) رواه مسلم، أي لك أجر ما احتسبت.
هذا الحديث العظيم جامعٌ في باب الاحتساب، دالٌّ على أن من احتسب عملَه كُتبَ له أجر عملِه وأجر حِسْبته.
والمقصود بالاحتساب هو احتساب الأجر من الله تعالى عند القيام بعمل الطاعات أو العادات المباحة، فإذا استحضر الإنسان ذلك فإنه سيدفع عن نفسه خواطر السوء من السمعة والرياء وطلب المدح والثناء من الناس، إلى غير ذلك من الآفات التي تُحبط العمل أو تنقص الأجر، وكذلك تجعله يصبر على البلايا والمكاره عند وقوعها ويطلب الأجر من الله تعالى على ذلك.
صنوف الاحتساب
من صنوف الاحتساب وأنواعه ما يلي:
1- الصبر على المصيبة وتحمل البلاء: يتحصل العبد المؤمن على أجور عظيمة إذا صبر عند نزول البلاء به، يقول الله تعالى: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} (البقرة: 156-157)، أي أن ذلك فعل المحتسبين الصابرين، وقد روى البخاري في صحيحه أن ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسلت إليه تخبره أن ابنا لها قبض، فأرسل لها يقرئها السلام ويقول لها: ( إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكلٌ عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب )، وذلك حتى تحصل على أجر الصابرين.
2- إتقان العبادة وإجادتها: إذا استشعر المرء مراقبة الله جل وعلا فإن ذلك سيدفعه إلى الإحسان والقيام بالعبادة على أحسن وجه، ومن ذلك أن يسبغ الوضوء على المكاره، وأن يمشيَ في الظلم إلى المساجد، روى مسلم في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إذا توضأ العبد المؤمن أو المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء -، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء -، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيًّا من الذنوب )، وإنما يحصل له ذلك باستحضار النية واحتساب الأجر، ومثله أيضًا قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ) رواهأحمد ، وفيه أعظم حافز لكل داعية إلى الله جل وعلا أن يُخلِص في دعوته ويحرص على هداية الناس للخير، ويحتسب ذلك عند الله.
3- فعل أو ترك المباح بنية القُربة: يؤجر المرء على ما يفعله من المباحات إذا احتسب ذلك عند الله تعالى، روى البخاري في صحيحه أن معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: "أما أنا فأقوم وأنام وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي" أي أنه يحتسب الأجر في نومه لكي يتقوى به على طاعة الله جل وعلا، وروى الإمامأبو داود في سننه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إن الله عز وجل يُدخل بالسهم الواحد ثلاثةُ نفرٍ الجنة، صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومُنبله )، وحين قال الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم، وأما ترك المباح من الشهوات (الطعام والشراب ونحوهما) فقد قيل للإمام أحمد: "يؤجر الرجل في ترك الشهوات؟ قال: كيف لا يُؤجر وابن عمر يقول: ما شبعت منذ ثلاثة أشهر".
4- اجتناب المعاصي والآثام: إذا ترك العبد المعصية امتثالاً لأمر الله وخوفًا من عقابه فإنه يؤجر على نيته، روى مسلم في صحيحه أن الملائكة قالت: ربِّ ذاكَ عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به -، فقال: ( ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنما تركها من جرّاي ) أي تركها من أجلي.
ثمرات الاحتساب
الاحتساب يُعزِّز الإخلاص لله تعالى ويورث محبته، ويحوِّل العادات إلى عبادات، كما أنه يمنع تحول العبادات إلى عادات، ويدعوا إلى الصبر والتصبر، ويهوِّن المشاق ويلذِّذ المكاره، ويدفع الحزن ويجعل العبد راضيا بقضاء الله محسنا الظن به سبحانه وتعالى.
ومن الأسباب التي تدفع المرء للاحتساب: علمه بأجور العمل، وحرصه على مضاعفة الأجر، فالاحتساب تجارة المخلصين، وكلما علم العبد أجر العمل زاد احتسابه للعمل، كما أن الاحتساب يُكسب محبة الله تعالى، وكلما استشعر العبد محبة الله له في العبادة زاد من احتسابه لها وأدائها على الوجه الأكمل.
وإذا كانت رغبة المرء صادقة ولديه إرادة جازمة في اتخاذ الأسباب الدافعة للاحتساب، فإن الله جل وعلا يوفقه لذلك، قال تعالى: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} (آل عمران: 145)، وقال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} (الإسراء: 19).
حديث جبريل الطويل
من الأحاديث العظيمة التي بين النبي صلى الله عليه وسلم فيها أصول الدين , حديث جبريل المشهور , عندما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم , على هيئة رجل يسأله ويستفتيه عن بعض المسائل الهامة , والحديث رواه الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم , إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب , شديد سواد الشعر , لا يُرى عليه أثر السفر , ولا يعرفه منا أحد , حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فأسند ركبتيه إلى ركبتيه , ووضع كفيه على فخذيه.
وقال: يا محمد , أخبرني عن الإسلام ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , وتقيم الصلاة , وتؤتي الزكاة , وتصوم رمضان , وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) . قال : صدقتَ , قال : فعجبنا له يسأله ويصدقه . قال : فأخبرني عن الإيمان ؟ قال : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر , وتؤمن بالقدر خيره وشره ) . قال : صدقت . قال فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : ( أن تعبد الله كأنك تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) . قال : فأخبرني عن الساعة ؟ قال : ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ) . قال : فأخبرني عن أمارتها ؟ قال : ( أن تلد الأمة ربَّتها , وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاءَ الشاء يتطاولون في البنيان ) . قال : ثم انطلق , فلبثتُ ملِيَّا , ثم قال لي : ( يا عمر , أتدري من السائل ؟ ) . قلت : الله ورسوله أعلم . قال : ( فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) .
فهذا الحديث قد اشتمل على بيان أصول الدين وقواعده , ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في آخره ( هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) , فجعل ما في هذا الحديث بمنزلة الدين كله .
الإسلام
بدأ جبريل بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام , والإسلام هو إظهار الخضوع للشريعة و التزام ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه , وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأعمال الجوارح الظاهرة , ومن هذه الأعمال ما هو بدني كالصلاة والصوم , ومنها ما هو مالي كإيتاء الزكاة , ومنها ما هو مركب منهما كالحج فهو عبادة مالية وبدنية .
الإيمان
وأما الإيمان فقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالأعمال الباطنة , فقال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله , والبعث بعد الموت , وتؤمن بالقدر خيره وشره , وهذه هي أصول الإيمان الخمسة التي ذكرها الله عز وجل في مواضع من كتابه , كقوله تعالى : { ومن يكفر بالله وملا ئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيداً } (النساء 136). وقال سبحانه :{ إنا كل شيء خلقناه بقدر } (القمر 49) .
وإنما فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين الإسلام والإيمان , فجعل الإسلام خاصا بأعمال الجوارح الظاهرة , وجعل الإيمان خاصا بالأعمال الباطنة , لاجتماع هذين الاسمين معاً في سياق واحد , فكان لكل واحد منهما معنى خاصا , وأما إذا ذكر كل واحد منهما على انفراد فإن أحدهما يدخل في الآخر , فيدخل في الإسلام الاعتقادات والأمور القلبية , كما قال عز وجل : { إن الدين عند الله الإسلام } (آل عمران 19) , وكذلك الإيمان إذا ذكر مفردا فإنه تدخل فيه أعمال الجوارح الظاهرة , قال صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان بضع وسبعون شعبة , فأفضلها قول لا إله إلا الله , وأدناها إماطة الأذى عن الطريق , والحياء شعبة من الإيمان }أخرجه مسلم .
وأما الإيمان بالقدر فهو على أربع مراتب كما بين أهل العلم :
الأولى : مرتبة العلم , وهي الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما كان وما سيكون من أفعاله وأفعال عباده , وأن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علما .
والثانية : مرتبة الكتابة , وهي الإيمان بأنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما سيكون إلى يوم القيامة , وذلك قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة , وكان عرشه على الماء .
والثالثة : مرتبة المشيئة , وهي الإيمان بأن ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وأنه لا يخرج شيء في هذا الكون عن إرادته الكونية ومشيئته جل وعلا .
والمرتبة الرابعة : الخلق والإيجاد , وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء , فالعباد مخلوقون ، وأفعالهم مخلوقة , قال عز وجل : { والله خلقكم وما تعملون } (الصافات 37) وكل ما سوى الله مخلوق مفتقر إليه سبحانه وتعالى .
الإحسان
وأما درجة الإحسان فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد لن يستطيع أن يصل إليها إلا بأن يعبد الله كأنه يعاينه وينظر إليه , فإنه إذا استحضر ذلك عند أداء العبادة , فلن يترك شيئا يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماع القلب والاعتناء بإتمام العبادة إلا أتى به , ومن شق عليه ذلك فليعبده عبادة من يعلم أن الله يراه ويطلع عليه , والمقصود هو الحث على الإخلاص في العبادة , ومراقبة الله عز وجل في السر والعلن , وهي درجة رفيعة ومقام عال , لا يصل إليه إلا القليل من الناس , وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله تعالى : { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه } ( يونس 61) .
علامات الساعة
ثم سأل جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة , فأخبره أن السائل والمسؤول علمهم عنها سواء , فالساعة علمها عند ربي في كتاب , وهي أحد مفاتيح الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله عز وجل , فسأله عن علاماتها فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم علامتين :
العلامة الأولى : أن تلد الأمة ربتها وسيدتها , فإن السيد إذا وطئ أمته فأنجبت له أولادا كان هؤلاء الأولاد بمنزلة أبيهم في الحرية والسيادة , فكأنه صلى الله عليه وسلم يشير إلى أنه في آخر الزمان , ستفتح البلاد على المسلمين , ويكثر الرقيق والإماء حتى يكون للأمة أولاد من سيدها , فإذا وقع ذلك كان علامة على قرب الساعة ودنو أجلها .
العلامة الثانية : أن ترى الحفاة العراة الفقراء رعاة الغنم والشياة , الذين كانوا لا يملكون شيئا من حطام الدنيا , يتطاولون ويشيدون المباني العالية , مباهاة ومفاخرة , والمقصود أن الأسافل والأراذل يصيرون رؤساء على الناس , وأن الأمر سيوسد إلى غير أهله .
فمن تأمل هذا الحديث وجد أن قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة , من عقود الإيمان , وأعمال الجوارح , وإخلاص السرائر , والتحفظ من آفات الأعمال , فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم .
الحياء لا يأتي إلا بخير
الحياء خلق الإسلام , وقرين الإيمان , ومفتاح كل خير , وهو من أعظم الأخلاق التي تنأى بالعبد عن الرذائل , وتحجزه عن الوقوع في سفاسف الأمور , كما أنه من أقوى البواعث على الفضائل , وطلب معالي الأمور , ومن الأحاديث الجامعة التي تحث على هذا الخلق العظيم , وتبين منزلته وآثاره , حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) رواه البخاري.
فهذه الوصية العظيمة بالحياء , مما أثر عن الأنبياء المتقدمين , وتوارثه الناس عنهم , وتداولوه فيما بينهم قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل , حتى وصلت إلى هذه الأمة .
وقوله عليه الصلاة والسلام ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) قال بعض العلماء : إنه أمر جاء على سبيل التهديد والوعيد , فيكون المعنى إذا لم تستح من الله فاصنع ما شئت , فإنه سيجازيك ويحاسبك عليه , كقوله تعالى : { اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير } (فصلت 40) . ويحتمل أن يكون على سبيل الإخبار , ويكون المعنى أنك إذا فقدت الحياء فستفعل ما يحلو لك , ولن يكون هناك ما يمنعك من فعل القبائح بعد ضياع الحياء .
وحقيقة الحياء أنه خلق يبعث على ترك القبائح , ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق , وهو مما ميز الله به الإنسان عن سائر المخلوقات , لكي لا ينساق وراء دواعي الشهوة , ونوازع الهوى , التي تدعوه إلى الوقوع فيما يُسْتَقْبَح , فإن البهائم هي التي تهجم على ما تشتهي دون حياء أو روِيَّة , ولذلك فإن بين اقتراف الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم وارتباط وثيق , وكل منهما يدعو إلى الآخر , فإذا قل حياء المرء لم يبال بما اقترف من ذنوب , ومن عقوبات الذنوب نزع الحياء وقلته .
والحياء نوعان :
النوع الأول : حياء جِبِلِّيّ فطري : وهو ما كان فطرة وجبلة في الإنسان , وهو من أعظم النعم التي يمن الله بها على من يشاء من عباده , لأنه لا يأتي إلا بالخير للعبد , فإن بعض الناس قد يكف عن القبائح والمعاصي ابتداءً لما فطر عليه من الحياء , ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لأشجِّ بني عصر : ( إن فيك خُلَّتين يحبهما الله عز وجل , قلت : ما هما ؟ قال : الحلم والحياء , قلت : أقديما كانتا فيَّ أم حديثا ؟ قال : بل قديما , قلت : الحمد لله الذي جبلني على خُلَّتين يحبهما الله عز وجل ) رواه أحمد .
النوع الثاني : حياء مكتسب : وهو من أعلى خصال الإيمان , ودرجات الإحسان , وهو الذي يمنع المؤمن من ارتكاب المعاصي خوفا من الله عز وجل , وهو الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حسن رواه الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( استحيوا من الله حق الحياء , قلنا : يا رسول الله , إنا نستحيي والحمد لله , قال ليس ذاك , ولكن الاستحياء من الله حق الحياء , أن تحفظ الرأس وما وعى , والبطن وما حوى , ولتذكر الموت والبلى , ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا , فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) .
وإذا فقد العبد الحياء بنوعيه لم يبق له ما يمنعه من الوقوع في القبائح المعاصي , قال مالك بن دينار رحمه الله : "ما عاقب الله تعالى قلبا بأشد من أن يسلب منه الحياء " .
ومما يبعث على الحياء , ترادف نعم الله على العبد , وتوالي إحسانه إليه , فإن الكريم لا يقابل الإحسان بالإساءة , ولو تفكر العبد في نعم الله عليه لمنعه ذلك من عصيانه حياء منه , يقولالجنيد رحمه الله : " الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء " , وإذا كان الواحد منا يستحيي ممن صنع إليه معروفا أن يقابله بالنكران والإساءة , فكيف لا يستحيي من ربه واهب النعم التي لا تحصى , وفي ذلك يقول القائل :
هــب الـبعث لم تأتـنا رُسْله وجـاحمة النار لم تُضرَمِ
أليس من الواجب المستحق حياء العباد من المنعم ؟!
والحياء منه الممدوح ومنه المذموم , وإنما يُعْرَفُ ذلك بثمرته , فإذا دعاك إلى الخير فهو المحمود , وإذا دعاك إلى غير ذلك , فهو العجز والخور والضعف والمهانة , وهو من خداع الشيطان وتلبيسه , كالحياء الذي يترتب عليه كتمان الحق , أو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , أو القعود عن طلب العلم والدعوة إلى الله , وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياء من العذارء في خِدْرها , ومع ذلك لم يمنعه حياؤه من القيام بتكاليف الدين والدعوة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خير قيام .
بذلك تكون هذه الوصية بالحياء قد جمعت الخير من أطرافه , فعلى المسلم أن يفهم معنى الحياء الشرعي , وأن يجعله خلقا وسلوكا في حياته , وإن كان قد جُبِل عليه فليحمد الله على هذه النعمة , وإن لم يكن فيه فليحرص على اكتسابه وتحصيله.
أليس من الواجب المستحق حياء العباد من المنعم ؟!
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
في حديث عظيم من جوامع الكلم , بيّن النبي صلى الله عليه وسلم مَعْلما من معالم النجاة , وأمارة من أمارات حسن الإسلام , ليزن العبد بها نفسه , ويعرف مدى قربه أو بعده عن الطريق المستقيم , والحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ).
فهذا الحديث قد جمع معانٍ عظيمة لا غنى للمسلم عن فهمها وامتثالها ، وهو أصل عظيم من أصول الأدب , ولذا عدَّه بعض أهل العلم ثلث الإسلام أو ربعه , وذكر ابن القيم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الورع كله في هذا الحديث , فهو يضع للعبد قاعدة عظيمة فيما يأتي وما يدع ، وفيه تنبيه على الركن الأول في تزكية النفس وتربيتها ، وهو جانب التخلية بترك ما لا يعني ، الذي يلزم منه الركن الثاني وهو التحلية بالانشغال بما يعني .
الناس قسمان :
فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن ترك ما لا يعني من أسباب حسن إسلام المرء , وهذا يعني أن الناس ينقسمون في الإسلام إلى قسمين كما دل عليه الحديث : فمنهم المحسن في إسلامه ومنهم المسيء , فمن قام بالإسلام ظاهراً وباطناً فهو المحسن الذي قال الله فيه : { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا } ( النساء 125) , ومن لم يقم به ظاهرا وباطنا فهو المسيء , ومن علامات حسن الإسلام انشغالُ المرء بما يعنيه وتركُه ما لا يعنيه , ومفهوم الحديث : أن انشغال الإنسان بما لا يعنيه من علامات سوء إسلامه .
ومما يدل على معنى الحديث , أن الله وصف الله المؤمنين بالإعراض عن اللغو في غير ما آية من كتابه قال سبحانه : {والذين هم عن اللغو معرضون } ( المؤمنون 3) . واللغو هو الباطل , ويشمل الشرك والمعاصي وكل ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال والاهتمامات , ومن اللغو الاشتغال بما لا يعني من أمور الناس .
وقد جاءت الأحاديث بفضل منزلة حسن الإسلام ، ومن ذلك ماجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله ) .
فقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما لا يعنيه ) أي : ما لا يهمه ولا يفيده في دينه ولا دنياه , ويدخل في الأمور التي لا تعني المحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها الإنسان .
والضابط في معرفة ما يعني الإنسان مما لا يعنيه هو الشرع , وليس الهوى , فإن كثيرا من الناس قد يحلو له أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , بدعوى أن ذلك من التدخل في خصوصيات الآخرين , وأن ذلك مما لا يعني الإنسان , وقد يستدل بهذا الحديث على فهمه السيئ , وهذا من الخطأ واختلاط المفاهيم في هذه القضية , روى أبو داود أن أبا بكر رضي الله عنه قام في الناس خطيبا , فحمد الله وأثنى عليه , ثم قال : يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } ( المائدة 105) , وإنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب )، وفي رواية: وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب ) , ومما يعني الإنسان أيضا شؤون المسلمين وقضاياهم , ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .
فهذا الحديث معيار وعلامة يُعرف بها حسن الإسلام من ضده ، وأسباب كل منهما , وتزداد الحاجة لفهم هذا الحديث والعمل بمقتضاه , في زمن تزاحمت فيه الواجبات ، واختلطت فيه الأولويات ، فكانت الخطوة الأولى , هي تركيز الاهتمام فيما ينفع ، وترك كل ما لا يعني ، وهو ملحظ تربوي مهم , ينبغي أن يراعيه العبد في تربية نفسه والآخرين.
الحلال بيِّن والحرام بيِّن
من الأحاديث الجامعة التي يذكرها أهل العلم , ويولونها المزيد من العناية والاهتمام , حديثالنعمان بن بشير رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الحلال بيِّنٌ وإن الحرام بيِّنٌ , وبينهما أمور مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس , فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه , ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام , كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه , ألا وإن لكل ملك حمىً , ألا وإن حمى الله محارمُه , ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلَحت صلَح الجسد كله , وإذا فسَدت فسَد الجسد كله : ألا وهي القلب )رواه البخاري ومسلم .
قاعدة عظيمة
فهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة , وأحد الأحاديث التي يدور عليها الدين وقد عدّه بعض أهل العلم ثلث الإسلام أو ربعه , ويعنون أن الإسلام يدور على ثلاثة أحاديث أو أربعة منها هذا الحديث .
فقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الحلال بين وإن الحرام بين ) يعني أن الحلال والحرام الصريح الواضح قد بُيِّن أمره للناس بحيث لا يحتاجون معه إلى مزيد إيضاح وبيان , وليس لهم عذر في مخالفة الأمر والنهي بدعوى نقص البيان وعدم الوضوح , فإن الله عز وجل قد أنزل على نبيه الكتاب , وبين فيه للأمة ما تحتاج إليه من أحكام , قال تعالى : { ونزَّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } (النحل 89) وقال تعالى في آخر آية من سورة النساء بعد أن ذكر فيها كثيرا من الأحكام الشرعية : { يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم } ( النساء 176) . وقال عز وجل : { ومالكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم } ( الأنعام119) . وهذا هو مقتضى عدل الله ورحمته بعباده فلا يمكن أن يعذب قوما قبل البيان لهم وقيام الحجة عليهم , ولذلك قال سبحانه : {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } ( التوبة 115) .
وما لم يرد بيانه مفصلاً في كتاب الله تعالى فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد بينه في سنته تحقيقا لقوله تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } ( النحل 44) .
ولكن هناك أمور تشتبه على كثير من الناس , فلا يعرفون حكمها هل هي من الحلال أم من الحرام ؟ , وأما الراسخون في العلم فلا تشتبه عليهم , ويعلمون من أي القسمين هي , وهذه هي الأمور المشتبهات التي قال عنها صلى الله عليه وسلم ( وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ) .
ثم قسَّم النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالنسبة إلى هذه الأمور المشتبهة إلى قسمين:
القسم الأول : من يتقي هذه الشبهات ويتركها , طلبا لمرضاة الله عز وجل , وتحرزا من الوقوع في الإثم , فهذا الذي استبرأ لدينه وعرضه , أي طلب البراءة لهما , فحصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي , وصان عرضه عن كلام الناس فيه , وفيه دليل على أن من ارتكب الشبهات , فقد عرض نفسه للقدح والطعن , كما قال بعض السلف : "من عرَّض نفسه للتُّهم فلا يلومنَّ من أساء الظن به " .
والقسم الثاني : من وقع في هذه الشبهات مع علمه بأن هذا الأمر فيه شبهة , فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من فعل ذلك فقد وقع في الحرام , بمعنى أن الإنسان إذا تهاون وتسامح في الوقوع في الشبهات , وأكثر منها , فإن ذلك يوشك أن يوقعه في الحرام ولا بد , وهو لا يأمن أن يكون ما أقدم عليه حرامًا في نفس الأمر , فربما وقع في الحرام وهو لا يدري .
المثل المضروب
ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا لمن يقع في الشبهات , وهو أن كل ملك من ملوك الدنيا له حمى يُضرب حول ملكه , ويُمنع الناس من دخوله أو انتهاكه , ومن دخله فقد عرض نفسه للعقوبة , فمن رعى أغنامه بالقرب من هذا الحمى فإنه لا يأمن أن تأكل ماشيته منه , فيكون بذلك قد تعدى على حمى الملك , ومن احتاط فابتعد ولم يقارب ذلك الحمى فقد طلب السلامة لنفسه , وهذا مثل حدود الله ومحارمه , فإنها الحمى الذي نهى الله عباده عن الاقتراب منه أو تعديه , فقال سبحانه : { تلك حدود الله فلا تقربوها } (البقرة 187) , وقال :{ تلك حدود الله فلا تعتدوها } ( البقرة 229 ) , فالله عز وجل قد حدَّ للعباد حدودا بين فيها ما أَحَلَّ لهم وما حَرَّم عليهم , ونهاهم عن الاقترب من الحرام أو تعدي الحلال , وجعل الواقع في الشبهات كالراعي حول الحمى أو قريبا منه يوشك أن يدخله ويرتع فيه , فمن تعدى الحلال ووقع في الشبهات , فإنه قد قارب الحرام وأوشك أن يقع فيه .
ثم ختم النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بذكر السبب الذي يدفع العبد إلى اتقاء الشبهات والمحرمات أو الوقوع فيهما , ألا وهو صلاح القلب أو فساده , فإذا صلح قلب العبد صلحت الجوارح والأعمال تبعا لذلك , وإذا فسد القلب فسدت الجوارح والأعمال , فالقلب أمير البدن , وملك الجوارح , وبصلاح الأمير أو فساده تصلح الرعية أو تفسد , فإذا كان القلب سليما حرص العبد على اجتناب المحرمات وتوقي الشبهات , وأما إذا كان القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع الهوى والشهوات , فإن الجوارح سوف تنبعث إلى المعاصي والمشتبهات تبعا له , فالقلب السليم هو عنوان الفوز عند الله عز وجل قال تعالى : {يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم } (الشعراء 88-89) .
ففي هذا الحديث العظيم حث للمسلم على أن يفعل الحلال ، ويجتنب الحرام ، وأن يجعل بينه وبين الحرام حاجزا وهو اتقاء الشبهات ، وأن يحتاط المرء لدينه وعرضه ، فلا يقدم على الأمور التي توجب سوء الظن به , وفيه أيضا تأصيل لقاعدة هامة من قواعد الشريعة , وهي قاعدة سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها , وفيه كذلك تعظيم أمر القلب , فبصلاحه تصلح أعمال الجوارح وبفساده تفسد , نسأل الله أن يصلح قلوبنا وأن يثبتها على دينه.
فقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الحلال بين وإن الحرام بين ) يعني أن الحلال والحرام الصريح الواضح قد بُيِّن أمره للناس بحيث لا يحتاجون معه إلى مزيد إيضاح وبيان , وليس لهم عذر في مخالفة الأمر والنهي بدعوى نقص البيان وعدم الوضوح , فإن الله عز وجل قد أنزل على نبيه الكتاب , وبين فيه للأمة ما تحتاج إليه من أحكام , قال تعالى : { ونزَّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } (النحل 89) وقال تعالى في آخر آية من سورة النساء بعد أن ذكر فيها كثيرا من الأحكام الشرعية : { يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم } ( النساء 176) . وقال عز وجل : { ومالكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم } ( الأنعام119) . وهذا هو مقتضى عدل الله ورحمته بعباده فلا يمكن أن يعذب قوما قبل البيان لهم وقيام الحجة عليهم , ولذلك قال سبحانه : {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } ( التوبة 115) .
ثم قسَّم النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالنسبة إلى هذه الأمور المشتبهة إلى قسمين:
والقسم الثاني : من وقع في هذه الشبهات مع علمه بأن هذا الأمر فيه شبهة , فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من فعل ذلك فقد وقع في الحرام , بمعنى أن الإنسان إذا تهاون وتسامح في الوقوع في الشبهات , وأكثر منها , فإن ذلك يوشك أن يوقعه في الحرام ولا بد , وهو لا يأمن أن يكون ما أقدم عليه حرامًا في نفس الأمر , فربما وقع في الحرام وهو لا يدري .
المثل المضروب
ثم ختم النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بذكر السبب الذي يدفع العبد إلى اتقاء الشبهات والمحرمات أو الوقوع فيهما , ألا وهو صلاح القلب أو فساده , فإذا صلح قلب العبد صلحت الجوارح والأعمال تبعا لذلك , وإذا فسد القلب فسدت الجوارح والأعمال , فالقلب أمير البدن , وملك الجوارح , وبصلاح الأمير أو فساده تصلح الرعية أو تفسد , فإذا كان القلب سليما حرص العبد على اجتناب المحرمات وتوقي الشبهات , وأما إذا كان القلب فاسدا قد استولى عليه اتباع الهوى والشهوات , فإن الجوارح سوف تنبعث إلى المعاصي والمشتبهات تبعا له , فالقلب السليم هو عنوان الفوز عند الله عز وجل قال تعالى : {يوم لا ينفع مال ولا بنون . إلا من أتى الله بقلب سليم } (الشعراء 88-89) .
ففي هذا الحديث العظيم حث للمسلم على أن يفعل الحلال ، ويجتنب الحرام ، وأن يجعل بينه وبين الحرام حاجزا وهو اتقاء الشبهات ، وأن يحتاط المرء لدينه وعرضه ، فلا يقدم على الأمور التي توجب سوء الظن به , وفيه أيضا تأصيل لقاعدة هامة من قواعد الشريعة , وهي قاعدة سد الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها , وفيه كذلك تعظيم أمر القلب , فبصلاحه تصلح أعمال الجوارح وبفساده تفسد , نسأل الله أن يصلح قلوبنا وأن يثبتها على دينه.
الدين النصيحة
لنصيحة شأن عظيم في حياة الفرد والأمة على حد سواء , فهي أساس بناء الأمة , وهي السياج الواقي بإذن الله من الفرقة والتنازع والتحريش بين المسلمين ، هذا التحريش الذي رضيه الشيطان بعد أن يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ,كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم : ( إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب , ولكن في التحريش بينهم ) . لقد رضي بالتحريش لأنه بداية طبيعية للعداء والتفرق والتنازع , المؤدي إلى الاقتتال وذهاب الريح .
وأعظم حديث جامع يبين مفهوم النصيحة الشرعية وحدودها , الحديث الذي رواه الإمام مسلمعن تميم الدَّاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ثلاثا , قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم ) .
فهذا الحديث له شأن عظيم , فهو ينص على أن عماد الدين وقوامه بالنصيحة , فبوجودها يبقى الدين قائما في الأمة , وبعدمها يدخل النقص على الأمة في جميع شؤون حياتها.
وقد كان منهج أنبياء الله ورسله مع أممهم مبنياً على النصح لهم والشفقة عليهم ، قال نوحعليه السلام مخاطبا قومه : { أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } ( الأعراف 62ا ) . وقال صالح لقومه : {يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} ( الأعراف 79ا ) ،وقال هود : { أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين } ( الأعراف 68ا ) .
مفهوم النصيحة :
والنصيحة كلمة يعبر بها عن إرادة الخير للمنصوح له , ولا يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تحصرها وتجمع معناها غير هذه الكلمة.
أنواع النصيحة :
أنواع النصيحة خمسة ، وهي التي ذكرت في الحديث :
الأول : النصيحة لله : وتكون بالاعتراف بوحدانيته وتفرده بصفات الكمال ونعوت الجلال , والقيام بعبوديته ظاهراً وباطناً ، والإنابة إليه كل وقت , مع التوبة والاستغفار الدائم , لأن العبد لا بد له من التقصير في شيء من الواجبات والتجرؤ على بعض المحرمات , وبالتوبة والاستغفار ينجبر النقص , ويُسَدُّ الخلل.
الثاني : النصيحة لكتاب الله : وتكون بحفظه وتدبره ، وتعلم ألفاظه ومعانيه , والاجتهاد في العمل به في نفسه وتعليمه غيره .
الثالث : النصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم : وتكون بالإيمان به ومحبته ، وتقديمه على النفس والمال والولد ، واتباعه في أصول الدين وفروعه ، وتقديم قوله على قول كل أحد , والاهتداء بهديه ، والنصر لدينه وسنته .
الرابع : النصيحة لأئمة المسلمين : وهم الولاة , من الإمام الأعظم إلى الأمراء والقضاة وجميع من لهم ولاية عامة أو خاصة , وتكون هذه النصيحة باعتقاد ولايتهم , والسمع والطاعة لهم ، وحث الناس على ذلك ، وبذل ما يستطاع في إرشادهم للقيام بواجبهم , وما ينفعهم وينفع الناس .
الخامس : النصيحة لعامة المسلمين : وتكون بمحبة الخير لهم كما يحب المرء لنفسه , وكراهية الشر لهم كما يكره لنفسه .
شروط النصيحة :
ولا بد في النصيحة من ثلاثة أمور :
أولها : الإخلاص لله تعالى في النصيحة لأنه لب الأعمال , ولأن النصيحة من حق المؤمن على المؤمن , فوجب فيها التجرد عن الهوى والأغراض الشخصية والنوايا السيئة التي قد تحبط العمل , وتورث الشحناء وفساد ذات البين .
وثانيها : الرفق في النصح , وإذا خلت النصيحة من الرفق صارت تعنيفا وتوبيخا لا يقبل ، ومن حرم الرفق فقد حرم الخير كله كما أخبر بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام .
وثالثها : الحِلْم بعد النصح , لأن الناصح قد يواجه من يتجرأ عليه أو يرد نصيحته , فعليه أن يتحلى بالحلم , ومن مقتضيات الحلم : الستر والحياء وعدم البذاءة , وترك الفحش .
وإن من الحكمة والبصيرة في النصيحة معرفة أقدار الناس , وإنزالهم منازلهم ، والترفق مع أهل الفضل والسابقة , وتخير وقت النصح المناسب , وتخير أسلوب النصح المتزن البعيد عن الانفعالات , وانتقاء الكلم الطيب والوجه البشوش والصدر الرحب ، فهو أوقع في النفس وأدعى للقبول وأعظم للأجر عند الله .
فهذه هي حدود النصيحة الشرعية , وخلاف ذلك هو الإرجاف والتعيير والغش الذي هو من علامات النفاق عياذا بالله , قال على رضي الله عنه : " المؤمنون نصحة والمنافقون غششة " ، وقال غيره : " المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير" .
فالنبي صلى الله عليه وسلم فسر النصيحة بهذه الأمور الخمسة , التي تشمل القيام بحقوق الله ، وحقوق كتابه ، وحقوق رسوله ، وحقوق جميع المسلمين على اختلاف أحوالهم وطبقاتهم , فشمل ذلك الدين كله ، ولم يبق منه شيء إلا دخل في هذا الكلام الجامع المحيط , فكان لزاما على المسلمين أخذ النصيحة خلقا بينهم , فهي القاطعة لفساد ذات البين والتحريش , والموصلة لمعاني الأخوة والمحبة في الله , وهي العامل الأهم في تماسك الجماعة والأمة , والله الموفق.
فهذه هي حدود النصيحة الشرعية , وخلاف ذلك هو الإرجاف والتعيير والغش الذي هو من علامات النفاق عياذا بالله , قال على رضي الله عنه : " المؤمنون نصحة والمنافقون غششة " ، وقال غيره : " المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويعير" .
من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ
العبادة هي الغاية من وجود الإنسان في هذه الحياة , وهي التي من أجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب , {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} . ( الذاريات 56) .
والله عز وجل كما أنه لم يخلق هذا الإنسان عبثا بل خلقه لغاية محددة , ووظيفة عظيمة , فكذلك لم يتركه هملا لا يعرف كيف يؤدي هذه الوظيفة التي من أجلها خُلِق , فخلقه وعلمه , ودله على الطريق الموصلة إليه سبحانه , وجعلها طريقا واحدة , دليلها الكتاب , وبابها الرسول , فمن أراد سلوك الطريق من غير دليل تاه , ومن أراد الولوج من غير باب الرسالة وبدون مفتاح النبوة فقد ضل سواء السبيل , فبين سبحانه للناس على ألسنة رسله كيف يعبدوه ويوحدوه , وحدد لهم مجالات هذه العبادة وضوابطها , فلا يعبد إلا الله وحده , ولا يعبد كذلك إلا بما شرعه من الدين .
وجاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة تحث على الاعتصام بالوحي واتباعه , وتحذر من اتباع غيره من الأهواء والضلالات قال تعالى: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } ( الأنعام 153) . وحذر سبحانه من مخالفة أمر رسوله وسنته وشريعته فقال عز وجل :{فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ( النور 63) .
من أجل ذلك كان أحد الأحاديث الجامعة التي وضحت هذا المعنى , ووضعت القواعد والضوابط لهذه القضية , حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) رواه البخاري ومسلم , وفي رواية لمسلم : ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) .
فهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام , وهو مكمِّل ومتمِّم لحديث إنما الأعمال بالنيات , ويدخل في هذين الحديثين الدين كله ، أصوله وفروعه ، ظاهره وباطنه , فحديث عمر ميزان للأعمال الباطنة ، وحديث عائشة ميزان للأعمال الظاهرة , ففيهما الإخلاص للمعبود ، والمتابعة للرسول , اللذان هما شرط لقبول كل قول وعمل ، ظاهر وباطن , فمن أخلص أعماله لله , متبعاً في ذلك رسول الله , فعمله مقبول , ومن فقد الأمرين أو أحدهما فعمله مردود عليه , وقد جمع الله بين هذين الشرطين في قوله جل وعلا : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ( الكهف 110).
وقد دل الحديث على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود على صاحبه , وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ( ليس عليه أمرنا ) إشارة إلى أن أعمال العباد كلَّها ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة , فتكون الشريعة حاكمةً عليها بأمرها ونهيها , فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة موافقا لها فهو المقبول , ومن كان عمله خارجا عنها فهو المردود .
ولخطورة الابتداع في الدين والإحداث فيه , جاء ذم البدع والنهي عنها , والتنفير من أهلها , فالبدع في الحقيقة مضادة للشريعة , مراغمة لها , والمبتدع ببدعتة قد نصب نفسه منصب المستدرك على الشرع بزيادة أو نقصان , فلم يكتف بما شُرِع له , وهو بلسان حاله , يتهم الرسول ?صلى الله عليه وسلم بالتقصير في أداء الأمانة والرسالة , فإن نبينا عليه الصلاة والسلام لم يترك خيرا إلا دلنا عليه , ولا شرا إلا حذرنا منه , ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله : " من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها , فقد زعم أن محمدا خان الرسالة , لأن الله يقول : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ( المائدة 3 ) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا " ، ولا يخفى ما جرته البدع على الأمة قديما وحديثا من الفتن والويلات , والتفرق والاختلاف في الدين .
والبدعة هي كل ما يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دينا يُعبد الله به ويتقرب إليه , من اعتقاد أو قول أو عمل , وهي تشمل العبادات والمعاملات , والفعل والترك , فكما تكون بفعل غير المشروع , تكون أيضا بترك ما هو مشروع ومباح , إذا تركه الإنسان بقصد القربة والتدين , ولذلك لما جاء ثلاثة نفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته , , فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها , فقالوا : وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر , فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا , وقال الآخر : وأنا أصوم الدهر ولا أفطر , وقال الثالث : وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا , فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا , أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له , لكني أصوم وأفطر , وأصلي وأرقد , وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنتي فليس مني ) أخرجاه في الصحيحين .
والبدع جميعُها تشترك في وصف الضلالة , فليس فيها ما هو حسن وما ليس بحسن , فقد جاء في الصحيح من حديث العرباض بن ساريةرضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) زاد النسائي ( وكل ضلالة في النار ) . إلا أنها ليست على رتبة واحدة في الضلال , فمنها البدع الكبيرة والصغيرة والمكفرة وغير المكفرة .
فهذا الحديث على قلة ألفاظه حوى من المعاني والمسائل الشيء الكثير , فقد بين الضابط العام والقاعدة الكلية التي توزن بها الأعمال , وعلى ضوئها يحكم بمشروعيتها أو عدمها.
ومن خلاله يتبين أن مقتضى العبادة التي خُلِق لها الإنسان , أن يجعل المسلم أقواله وأفعاله وسلوكه وتصرفاته وفق المناهج التي جاءت بها الشريعة , وأن يفعل ذلك طاعة واستسلاما وانقيادا لأمر الخالق جل وعلا , وشعاره في ذلك ما أخبر الله به عن المؤمنين المفلحين في قوله : {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون}.
إنما الأعمال بالنيات
المقاصد والنيات هي محل نظر الله جل وعلا , وهي من الأعمال بمثابة الروح من الجسد , فكيف يكون حال الجسد إذا نزعت منه الروح , وكيف يكون حال شجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار , وكل عبادة لم تقم على نية صالحة ومقصد شرعي صحيح , فإنها في ميزان الله هباء تذروه الرياح , وسراب إذا طلبه صاحبه لم يجده شيئا , من أجل ذلك عني الشرع عناية عظيمة بإصلاح مقاصد العباد ونياتهم , وورد في ذلك الكثير من النصوص في الكتاب والسنة .
ومن الأحاديث العظيمة التي وضحت هذا المعنى الحديث الذي في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى , فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله , فهجرته إلى الله ورسوله , ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها , فهجرته إلى ما هاجر إليه ).
فهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الدين , ولذلك صدر به أهل العلم كتبهم , وابتدؤوا به مصنفاتهم , قال الإمام الشافعي رحمه الله : ( هذا الحديث ثلث العلم , ويدخل في سبعين بابا من أبواب الفقه , وما ترك لمبطل ولا مضار ولا محتال حجة إلى لقاء الله تعالى ) .
والنية هي القصد الباعث على العمل , ومقاصد العباد تختلف اختلافا عظيما بحسب ما يقوم في القلب .
فقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) يعني أحد أمرين الأول : أن وقوعها واعتبارها شرعا لا يكون إلا بالنية , فكل عمل اختياري يفعله العبد لا بد له من نية باعثة على هذا العمل , والثاني أن صحة هذه الأعمال وفسادها , وقبولَها وردَّها , والثواب عليها وعدمه لا يكون إلا بالنية .
فالعبادات والأعمال الصالحة بأنواعها , من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج وغيرها لا تصح ولا تعتبر شرعا إلا بقصدها ونيتها ، بمعنى أن ينوي تلك العبادة المعينة دون غيرها , فلا بد من النية لتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر مثلا , ولا بد منها لتمييز صيام الفريضة عن صيام النافلة , وهكذا .
وكما أن النية مطلوبة لتمييز العبادات بعضها عن بعض , فهي مطلوبة أيضا لتمييز العادة عن العبادة , فالغسل مثلاً يقع للنظافة والتبريد ، ويقع عن الحدث الأكبر ، وعن الجمعة ، والنية هي التي تحدد ذلك , وهذا المعنى للنية هو الذي يذكره الفقهاء في كلامهم .
وأما المعنى الثاني , فهو تمييز المقصود بهذا العمل , هل هو الله وحده لا شريك له , أم غيره, ففيه دعوة للعبد إلى إخلاص العمل لله في كل ما يأتي وما يذر , وفي كل ما يقول ويفعل , فيحرص كل الحرص على تحقيق الإخلاص وتكميله ، ودفع كل ما يضاده من رياء أوسمعة ، أوقصد الحمد والثناء من الخلق ، وهذا المعنى هو الذي يرد ذكره كثيرا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة , ولذلك قال صلى الله عليه وسلم بعد ذلك : ( وإنما لكل امرئ ما نوى ) , أي أنه ليس للإنسان من عمله إلا ما نواه من خير أو شر , فمن نوى نية حسنة تقربه إلى الله , فله من الثواب والجزاء على قدر نيته , ومن نقصت نيته وقصده نقص ثوابه , ومن اتجهت نيته إلى غير ذلك من المقاصد الدنيئة فاته الأجر والثواب , وحصل على ما نواه .
ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالا للأعمال التي صورتها واحدة , واختلف صلاحها وفسادها بسبب اختلاف نيات أصحابها , وهو مثال الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام , كما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام , فأخبر أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد منها , فمن هاجر إلى دار الإسلام حبا لله ورسوله ورغبة في تعلم دين الإسلام , وإظهار شعائره التي يعجز عنها في دار الشرك , فهذا هو المهاجر حقا , وهو الذي يحصل أجر الهجرة إلى الله ورسوله , ومن هاجر لأمر من أمور الدنيا , أو لامرأة في دار الإسلام يرغب في نكاحها , فهذا ليس بمهاجر إلى الله ورسوله على الحقيقة , وليس له من هجرته إلا ما نواه .
وسائر الأعمال الصالحة في هذا المعنى كالهجرة , فإن صلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها , وحين سئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة أو حمية أو ليُرَى مكانُه , أيُّ ذلك في سبيل الله ؟ قال : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) كما في الصحيحين , وقال تعالى في اختلاف النفقة بحسب النيات : {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة ... الآية } (البقرة 265 ) وقال : { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... الآية } (النساء 38) وهكذا جميع الأعمال.
فالأعمال إنما تتفاضل ويعظم ثوابها بحسب ما يقوم بقلب العبد من الإيمان والإخلاص ، حتى إن صاحب النية الصادقة يكون له أجر العامل نفسه ولو لم يعمل , ولهذا لما تخلف نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن غزوة تبوك بسبب بعض الأعذار الشرعية التي أعاقتهم عن الخروج قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح : ( إن بالمدينة أقواماً ما سِرْتُم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم العذر ) .
وكما تجري النية في العبادات فكذلك تجري في المباحات , فإن قصد العبد بكسبه وأعماله المباحة , الاستعانة بذلك على القيام بحق الله والواجبات الشرعية , واستصحب هذه النية الصالحة في أكله وشربه , ونومه وراحته , ومكسبه ومعاشة , أُجر على تلك النية ، ومن فاته ذلك فقد فاته خير كثير , يقول معاذ رضي الله عنه ( إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ) , وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إنك لن تعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه ، حتى ما تجعله في فيِّ امرأتِك ) ، وأما الحرام فلا يكون قربة بحال من الأحوال حتى لو ادعى الإنسان فيه حسن النية .
وبذلك يكون هذا الحديث جامعاً لأمور الخير كلها , فحري بالمؤمن أن يفهم معناه وأن يعمل بمقتضاه في جميع أحواله وأوقاته .
مقدمة حول جوامع الكلم النبوي
خص الله نبيه صلى الله عليه وسلم بجملة من الخصائص , من أهمها , أنه أوتي جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه , واختصر له الكلام اختصاراً , فجمع الله له المعاني الكثيرة في ألفاظ يسيرة , وجعل ذلك من أدلة نبوته , وأعلام رسالته , ليسهل على السامعين حفظه , ولا يشق عليهم حمله وتبليغه , وكل هذا من الحفظ الذي تكفّل الله به لهذا الدين .
ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( بعثت بجوامع الكلم , ونصرت بالرعب , وبينا أنا نائم أُتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض , فوضعت في يدي ). وفي رواية للترمذي : ( فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ , أعطيت جوامع الكلم , ونصرت بالرعب ... الحديث ) . قال الزهري : " وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك " .
وجوامع الكلم التي بعث بها نبينا عليه الصلاة والسلام , تشمل ما جاء في القرآن من الآيات الجامعة , كقوله عز وجل : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } ( النحل 90 ) ، فإن هذه الآية لم تترك خيراً إلا أمرت به ولا شراً إلا نهت عنه , وهي مما بعث به صلى الله عليه وسلم .
وتشمل أيضا ما جاء في كلامه صلى الله عليه وسلم مما هو مروي في كتب السنة , والمقصود هنا الكلام على النوع الثاني , وهو جوامع الكلم النبوي .
وقد وردت عن الأئمة المتقدمين عدة أقوال في تحديد أصول الأحاديث النبوية أو الأحاديث الجامعة التي يدور عليها الدين , فمن ذلك ما جاء عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه قال : " أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث : حديث عمر : ( إنما الأعمال بالنيات ), وحديث عائشة : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ), وحديث النعمان بن بشير : ( الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّن )
وقال الإمام أبو داود : "نظرت في الحديث المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث , ثم نظرت فإذا مدار أربعة آلاف الحديث على أربعة أحاديث , حديثِ النعمان بن بشير : ( الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّن ), وحديث عمر : ( إنما الأعمال بالنيات ), وحديث أبي هريرة : ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ... الحديث ) , وحديث : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) , قال : فكل حديث من هذه الأربعة ربع العلم "، وأنشد بعضهم :
عمـدة الـدين عـندنـا كـلمـات أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعـنيك واعـملن بنية
ويعني بقوله " ازهد " حديث : (ازهد في الدنيا يحبك الله .. الحديث ) .
وقد اجتهد أهل العلم في جمع تلك الأحاديث الجوامع , وصنفوا في ذلك المصنفات , حتى جاء الإمام النووي - رحمه الله -, فجمع اثنين وأربعين حديثاً جامعاً عليها مدار الدين , وهي التي عرفت فيما بعد "بالأربعين النووية" , واشتهرت هذه الأربعين وأقبل الناس على حفظها ونفع الله بها , ببركة نية صاحبها وحسن قصده , وقد شرحها الحافظ ابن رجب الحنبلي شرحا نفيساً في كتابه جامع العلوم والحكم , وزاد عليها ثمانية أحاديث تمام الخمسين .
فينبغي على المسلم أن يعتني بهذه الأحاديث حفظا وفهما ودراسة , وأن يجعلها من أوائل الأحاديث التي يُربَّى عليها الأطفال والناشئة , وسنعرض في المواضيع القادمة بعض هذه الأحاديث بشيء من التفصيل والشرح , والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( بعثت بجوامع الكلم , ونصرت بالرعب , وبينا أنا نائم أُتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض , فوضعت في يدي ). وفي رواية للترمذي : ( فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ , أعطيت جوامع الكلم , ونصرت بالرعب ... الحديث ) . قال الزهري : " وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك " .
وجوامع الكلم التي بعث بها نبينا عليه الصلاة والسلام , تشمل ما جاء في القرآن من الآيات الجامعة , كقوله عز وجل : {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } ( النحل 90 ) ، فإن هذه الآية لم تترك خيراً إلا أمرت به ولا شراً إلا نهت عنه , وهي مما بعث به صلى الله عليه وسلم .
وتشمل أيضا ما جاء في كلامه صلى الله عليه وسلم مما هو مروي في كتب السنة , والمقصود هنا الكلام على النوع الثاني , وهو جوامع الكلم النبوي .
وقد وردت عن الأئمة المتقدمين عدة أقوال في تحديد أصول الأحاديث النبوية أو الأحاديث الجامعة التي يدور عليها الدين , فمن ذلك ما جاء عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه قال : " أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث : حديث عمر : ( إنما الأعمال بالنيات ), وحديث عائشة : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ), وحديث النعمان بن بشير : ( الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّن )
وقال الإمام أبو داود : "نظرت في الحديث المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث , ثم نظرت فإذا مدار أربعة آلاف الحديث على أربعة أحاديث , حديثِ النعمان بن بشير : ( الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّن ), وحديث عمر : ( إنما الأعمال بالنيات ), وحديث أبي هريرة : ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ... الحديث ) , وحديث : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) , قال : فكل حديث من هذه الأربعة ربع العلم "، وأنشد بعضهم :
اتق الشبهات وازهد ودع ما ليس يعـنيك واعـملن بنية
وقد اجتهد أهل العلم في جمع تلك الأحاديث الجوامع , وصنفوا في ذلك المصنفات , حتى جاء الإمام النووي - رحمه الله -, فجمع اثنين وأربعين حديثاً جامعاً عليها مدار الدين , وهي التي عرفت فيما بعد "بالأربعين النووية" , واشتهرت هذه الأربعين وأقبل الناس على حفظها ونفع الله بها , ببركة نية صاحبها وحسن قصده , وقد شرحها الحافظ ابن رجب الحنبلي شرحا نفيساً في كتابه جامع العلوم والحكم , وزاد عليها ثمانية أحاديث تمام الخمسين .
فينبغي على المسلم أن يعتني بهذه الأحاديث حفظا وفهما ودراسة , وأن يجعلها من أوائل الأحاديث التي يُربَّى عليها الأطفال والناشئة , وسنعرض في المواضيع القادمة بعض هذه الأحاديث بشيء من التفصيل والشرح , والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
الاشتراك في:
الرسائل
(
Atom
)














